تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بل أنتم الكرار إن شاء الله، فيأكل مما يأكلون، ويعود مرضاهم، ويشهد جنازتهم ولذلك قال الله عنه ((من أنفسهم)) فهو منهم صلى الله عليه وسلم.

ثمّ إن هذا تحذير رباني لكل إمام وقائد وأمير بوجوب الرحمة واللين والرأفة، ذلك لأن للإمارة زهو الإنتصار والغلبة، وفيها غرور السلطان والإمرة، فالواجب أن يعلم أن الأبدان وإن انقادت بالقوة فإن القلوب لا تنقاد إلا بالرحمة واللين، فإن هذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس هو كآحاد الناس ومع ذلك يقول الله له ((ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك)) فكيف بغيره فإن المتوقع أن لا ينفضوا عنه فقط بل يقاتلونه ويسبونه ويعادونه ومثل هذا لو وقع فإنه سبب الحروب بين الناس والخصومات، وهو إفساد في الأرض والله لا يحب الفساد.

هذه فروض الجهاد والمجاهدين، وهي أركان قواعدهم الداخلية ليكون البناء قوياً متيناً عصياً على عوامل الإنهيار الداخلي، فإن في غزوة أحد قد انهار الخط العسكري وتشتت قواه بين متولي وجريح وشهيد وصاعد إلى الجبل للإحتماء؛ ولكن الذي حمى المجتمع من الإنهيار ومنع حصول الهلكة الكلية هي الرابطة العميقة بين القائد وجنوده وأمته، وهي التي عصت وحافظت وامتنعت، وهذا بخلاف مواقف الجاهليين وجنودهم فإن كثيراً من الإنهيارات العسكرية تقع بسبب سوء العلاقة بين القائد والأمة، فتتسارع الإنهيارات حتى تصل إلى أقصى المدى وتتحطم الأمة وتذهب مقوماتها، ولذلك منّ الله على المؤمنين بهذه الرابطة العظيمة التي حصلت بسبب لين قلب قائد الأمة والجنود عليهم فكان التفافهم حوله هو الخط الذي صد مقاصد الأعداء فيه وفي الأمة كلها.

﴿فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين﴾

وهكذا كان خلقه صلى الله عليه وسلم فقد وصفه أصحابه بأنه كان يأخذ العفو من أخلاق الناس، فقد كان يفعو عن أخطائهم وسيئاتهم ما لم يصيبوا حداً من حدود الله تعالى، ويستغفر الله لهم من هذه الذنوب، وفي هذا جمع بين الفضيلة الدنيوية والآخروية، فإن العفو عدم المسائلة في الدنيا وبالإستغفار تسقط المسائلة يوم القيامة، وهذا من تام الفضل، وهو ما اختصت به الأنبياء في ما يوحى إليهم، إذ أن الحكماء وإن قالوا بالحكمة في الدنيا وأصابوها فإنهم يعجزون عن اصابتها في الآخرة، وهذا يبين حاجة البشر والعالم لحكمة الأنبياء ووحي الله تعالى لهم وما جاؤوا به من تشريع، ثمّ هذا من تمام الصلاح ظاهراً وباطناً، فإن المرء قد يعفو مع بقاء ما في قلبه على المخطئ، ولكن باستغفار الله تعالى يذهب أثر هذا عن قلبه ويسلم من المعاتبة الباطنة.

ثمّ أمره سبحانه وتعالى بأن يشاورهم في ما يقع لهم من قضايا ووقائع وأحداث، وهذا أمر رباني وهو على الوجوب لا على الندب كما قال البعض، فإن الأمر يفيد الوجوب ما لم يأت صارف له، وليس هناك ثمت صارف لهذا الوجوب، وما قاله البعض (وهم من غير الصحابة رضي الله عنهم) أن هذا من باب تطييب قلوبهم لا أظنه صحيحاً، بل هو من باب استخراج دقائق عقولهم وتجاربهم في شؤون الدنيا وأمورها، لا في أمور الدين والتشريع، والنبي صلى الله عليه وسلم كغيره من آحاد الناس محتاج إلى هذه الأمور الدنيوية الحياتية مثل حاجته إلى علاج طبيب يعرف الأمراض وأدويتها، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعين بهم في ذلك وقد ذكرت امنا الصديقة عائشة رضي الله عنها هذا الأمر، كما استعان رسول الله صلى الله عليه وسلم بخريت (خبير الطرق) في هجرته إلى المدينة، وكما قال صلى الله

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ١٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ١٥٦