هذه هي حكمة الله وفعله، ثم في هذه الآية يوجه الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم إلى هذه المعالم العظيمة، والقيم القيادية الباذخة الرفيعة، وهذا التوجيه العظيم يأتي في سياق إثباتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي فيه، ويعمل بها، وهداه الله إليها.
إن النفوس تتعلق بأحبتها لقيم ومعاني مشتركة في هذه النفوس، فالأرواح جنود مجندة، ولا يقع الحب إلا للمشاكلة بين الأحبة، والحب الحقيقي يمتحن في مواطن الصراع والإبتلاء والشدة، وقد وقع هذا الإمتحان في أحد بين النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام، وثبتت قوة هذه الحب في صورة قلما تقع في التاريخ الإنساني، فهوليس حباً فطرياً يقع بين المخلوقات كحب الآباء والأمهات لأبنائهم، بل هو حب المعاني التي يكتسبها الناس بعلومهم وعقولهم وأعمالهم وخصالهم، ولهذا يستطيع المرء أن يقول إن ما حدث لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من أفعال يوم أحد مع نبي الله لم يقع مثله قط في التاريخ، ومن قرأ الخبر علم الأمر على حقيقته وكتب السيرة هي مظانه ومصدره.
وإذا تساءل المرء لم وقع هذا كله فإن الجواب في هذه الآية العظيمة ((فبما رحمة من الله لنت لهم .... ()، إنها القيادة التي تسيطر على القلوب فتأسرها، فيأتمرون بأمرها في أشد الظروف والمهمات، ويتابعونها وهم يرون السيوف تقطر من دمائهم، فهذه قيادة القلوب لا الأجسام، وهذه سلطة الأرواح لا الهياكل، وهذا هو معنى الحكم الذي آتاه الله ليحيى وهو صبي في قوله تعالى ((يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبياً))، وهناك في سورة مريم مدح الله يحيى بقوله ((ولم يكن جباراً عصياً)) وهنا يقول الله للحبيب محمد ((فبما رحمة من الله لنت لهم))، فأساس هذا الحب إنما هو اللين على الصاحب والمرافق، لين مبعثه الشفقة عليه والحب ورضاء الخير له، واحتمال المكروه عنه ومنه، وذلك بالصبر والتغابي، فهو يرى ويعلم ولكن يوهم صاحبه أنه لا يرى ولا يعلم لئلا يتعبه ويكسر قلبه، بل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه أن لا يحدثوه ما يقع بينهم حتى يخرج إليهم وهو سليم الصدر، فهو لا ينقب على أمورهم وأقوالهم ولا يسجل عليهم أخطاءهم ومواقفهم، ومن فعل هذا من الأمراء والقادة فسيفسدهم كما قال الصديق أبو بكر رضي الله عنه لأمراء جنده.
إن وجود هذه الآية في سياق غزوة أحد يدل على نعمة أخرى من نعم الإبتلاء والإمتحان، إذ تمتحن العلاقة بين القائد وجنده، فإن كانت العلاقة قائمة على القهر والظلم والقوة تفلت الجند، ورأوا هذه فرصة سانحة لهم للإنعتاق والتحرر، ولكنها كانت في جمع المؤمنين في أحد على غير هذا، ولذلك جاء هذا الأمر في هذا لاسياق.
﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾
لم ينفض الأصحاب عن حبيبهم يوم أحد بل أحاطوه بأبدانهم وأرواحهم وقلوبهم، فلأنه الرحيم الرؤوف بهم، وثبت أن هذا المجتمع وهذا الجيش إنما يقوم على الحب والود والتآلف، وهو أساس بناء المجتمعات الربانية التي تتحقق بها وعود الله تعالى بالنصر ونشر هذا الدين، فالمدينة النبوية مدينة الحب، لأن الحب هو وقود حركة الإنسان، ويفعل فيه ما لا يفعله القهر والغلبة، وأساس هذا الحب هو الرحمة في القلوب والذي يترجم ليناً في الأفعال والأقوال، فلا شدة ولا قسوة ولا غلظة، بل يرحم على صغيرهم ويوقر كبيرهم ويواسي ضعيفهم، ولا يطلب منهم ما يشق عليهم طلبه فيعنتهم، وإن أخطأوا يعفو عن مسيئهم ما وسعه ذلك، ويستقبل الراجعين من مؤتة بصدر رحيم رحب وهو يقول لهم: