تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فيقال لهم: إن ميزان الحكم ليس ما تقولون، بل إن ميزان التقدم الإنساني ورقيه إنما يكمن في القيم الإيمانية والفضائل البشرية وتحقيق الدار الآخرة، والذين يملكون هذا هم المسلمون لا غير، والقرآن وحده هو مادة هذه الحضارة والهداية والرحمة على البشرية، فإنكم وإن ارتقيتم بوسائل تنفيذ الإرادة الإنسانية من قوى وقدرات وأدوات إلا أن هذه الإرادة نفسها قد انحطت وتدهورت وفسدت، وبانحطاطها هذا صارت هذه القوى والأدوات وبالاً على البشرية ودماراً لا رحمة وهداية، وإن كل زعم يقال إن البشرية قد ترقت هو زعم كاذب يحرف الحقيقة، فكل جوانب الحياة الإنسانية قد خلت من قيمها ومعانيها، وتحول الإنسان والدول إلى وحوش مسعورة كلبة لا تتورع عن الولوغ في دماء الآخرين دون هدف معنوي قط.

للبشرية أن تفرح وتحتفل ولها أن تفخر إن حققت مقصد وجودها وهو عبوديتها لله، وارتقت في علومها بإدراك أن الأعمال لها أهميتها إن كان مقصدها الدار الآخرة، فهذه الدنيا إلى زوال طال الأمر في أعين الناس أم قصر فهو قريب عند الله تعالى ((إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً)) وهذا ليس تخديراً كما يقول خصوم الإسلام –دين كل الرسل- بل هو حقيقة وأعظم حقائق الوجود، إنما التخدير هو أن يظن الإنسان أنه خالد وأن البشرية والحياة الدنيا لا نهاية لها وأنه لا وجود ليوم آخر يجتمع الناس فيه، فهذا هو غياب العقل والقلب والإنسان.

هذه آخية هذه الدين وهي ركنه الركين، وهي الفارق فيه بين أولي العلم والمجاهدين، فإن كانت فهي حضارة ربانية وإن فاتت فهي هواء وهباء وتوحش وبهيمية.

ثم هذه خصيصة هذا الدين، إذ تبني العقلية القائمة على الحقائق لا الأوهام، وتمد النفس بوقودها حتى تنفعل الإرادة فلا تعجز ولا تكسل، ثم تقومه بالفضائل والقيم التي تجرده من رغبة العلو والفساد، فيغدو إنساناً فاعلاً كما قال تعالى ((ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر لا شيء ومن رزقناه منا رزقاً حسناً فهو ينفق منه سراً وجهراً هل يستوون الحمد لله رب العالمين، وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم لا يقدر لا شيء وهو كَلّ على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير، هل يستوي هو من يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم)) فالمنحرف إما أنه لا يقدر على شيء وإما أنه يعمل ولا يأت بخير أينما توجه، وأما المهتدي فهو عامل بما آتاه الله (ينفق منه سراً وجهراً) آمر بالشرع (يأمر بالعدل) وهو عالم بالسنن الكونية ليصل لأهدافه من خلالها (وهو على صراط مستقيم)، فالصراط المستقيم ههنا هو كقوله تعالى في سورة هود ((إن ربي على صراط مستقيم)) والله أعلم.

﴿فبما رحمة الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين﴾

لقد رأينا رحمة الله تعالى بجنده، ورأينا كيف تعامل معهم في محنتهم، إذ واسى جراحهم وغفر ذنوبهم، وقوّم نفوسهم، وأرشدهم لخير أمورهم.

لقد رأينا ذلك من خلال رحلة ربانية ومع ظلال حدث هز النفوس حين فقدت الأحبة وأصيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبرز النفاق بقرنيه، ولكن أسبغ الرب الرحيم على ذلك كله العلاج الناجع.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ١٥٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ١٥٤