هذا مصير الجميع، وهو مصير الموتى على فرشهم والقتلى في سبيل الله تعالى، والذين يموتون في سبيل الله تعالى ويقتلون فيه إنما محشرهم إلى الله الذي يحبهم ويحبونه، وآثروا رضاه على شهواتهم، وأقبلوا عليه وهم يحبون لقاءه، وإن علمكم بهذا ((أي ان محشركم إلى الله تعالى)) يوجب عليكم طاعته وامتثال أمره وترك معاصيه.
في هاتين الآيتين كان الحديث عن أثر العقائد على أصحابها، فالعقائد الفاسدة أثرها الحسرة والألم دون أن يتغير من الواقع شيئاً، ودون أن تحدث في الأقدار الكونية أي تغيير، وأما العقائد الصحيحة فإن لها مقومات من الحق، وقد عرضها القرآن ههنا من خلال دوافعها ومقوياتها، فها هو يرسل المؤمنين بها إلى الأعمال التي تحقق النتائج، هذه النتائج قد لا تكون ديناً كما يريدها أصحاب العقائد الفاسدة، ولكن بفرض قيمة إيمانية عظيمة هي خير من الدنيا وما فيها إنها قيمة المغفرة في سبيل الله تعالى.
هذه القيمة لا يعرفها الزنادقة والمنافقون، بل يستهزؤون منها، فما معنى مغفرة الله ورحمته عندهم؟! وما هي قيمتها في قلوبهم، وهل حقاً أن يغفر الله للعبد خير من الدنيا وما فيها؟!
هذه عظمة الإسلام والقرآن في ربط المؤمن بالقيم المعنوية والفضائل مقابل المادة وزهرتها وزينتها، وهذا هو الأثر الأعظم للإيمان باليوم الآخر، لأن الإيمان هو تحدٍّ بين إنسانية المرء وبهيمته، وبين قيمه المعنوية وأرقام أملاكه وثروته، فها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لأن أقول سبحان الله والحمد الله ولا إله إلا الله والله أكبر أحبّ إليّ مما طلعت عليه الشمس أوغربت، وهذا تطبيق لقول أهل العلم في سورة القصص حين قالوا لمحبي الدنيا ((وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً ولا يلقاها إلا الصابرون))، ووصف أولي العلم إنما جاء في أغلب آيات القرآن مع هذه الحقيقة وهي الإيمان باليوم الآخر، ففي سورة النحل يقول تعالى ((ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم، قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين)) وفي سورة الروم يقول الله تعالى ((ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون، وقال الذين أوتوا العلم والايمان لقد لبتثم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون)) وفي سورة سبأ يقول الله تعالى ((ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط مستقيم)) وهي آية سياقاً وسباقاً في أمر الساعة والدار الآخرة.
فهذا الإنسان إنما صراعه في هذه الحياة الدنيا بين القيم والفضائل والمعاني وبين شهوات الدنيا ومادياتها، فالإيمان بقيمة حب الله تعالى وحب الرسول صلى الله عليه وسلم ورجاء الدار الآخرة هي التي تصنع الإنسان السوي، وأما غيرهم فهم الأنعام كما وصفهم الله تعالى بقوله ((ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجنّ والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون)) فهو صراع واختبار وهو إبتلاء يحتاج إلى صبر في ردع ما ركب عليه الإنسان من حب العاجلة ((كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة)).
بهذا المفهوم ترس n قواعد الحكم على الإنسان والحضارات والدول، فحين يتهم المسلمون بأنهم لا ينتجون معرفة إنسانية، ولا يجملون حضارة ولا تقدماً للأمم والشعوب، وتسعى هذه على غيرها من إنتاجات الشعوب والأمم الأخرى،