مواطن الهكلة والموت، فهذا وهمهم الذي صنع لهم هذه الحسرة، وهذا من عذاب الله تعالى يجعله لمن لا يهتدي بهدي القرآني الذي ينير الحقائق ويعرف العباد بها وينهاهم عن الأوهام والأباطيل.
﴿والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير﴾
إن الله هو خالق الحياة والموت، وهو مقدرهما على الخلق مكاناً وزماناً وسبباً، فلا يعاب المرء في سعيه للواجبات الشرعية والمطالب الحياتية أن يقع عليه قدر الموت، لأن الموت لا يقع بفعل الإنسان إنما بقدر الله تعالى، والمرء حين يقتل نفسه إنما يعصي الله بفعله ولكن حصول الموت لا يقع إلا بذ 1 ن الله تعالى، فكم من مريد لقتل غيره لم يقتله وكم من ملق لنفسه في التهكلة خرج منها سليماً، وكم خائف من الموت فجاءه الموت، لأن كل شيء بقدر، والله خالق كل شيء، وما يفعله الإنسان إنما يفعله حقيقة وينسب إليه لأنه عامله، وبإرادته قد وقع لم يجبر عليه ولم يكره على فعله، ولذلك قال تعالى) (إن الله بما تعملون بصير))، فأعمالكم منكم ومن إرادتكم ولكن كل شيء بقدر.
﴿ولئن متم او قتلتم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون﴾
هذه حقيقة ربانية تعيد طرح معادلة لا يفقهها إلا المؤمنون، فالحياة الدنيا بما يجمع الإنسان فيها ليست بشيء أمام ما يحققه المقتول في سبيل الله تعالى أو من مات في هذا السبيل، وهذه المعادلة هي شعار المؤمن في إندفاعه نحو أهدافه حين يترك القاعدين هناك يتقممون ما في الدنيا من نفايات وشهوات، والقرآن يقول:- هب أن غزوك وسفرك أماتك أو قتلك، وهب أن جلوس من جلس عن المعالي أطال عمره وأكثر ماله، فاعلم أن ما ستلاقيه بعد موتك من مغفرة ورحمة خير مما سيجمع هؤلاء القاعدون.
حين يكون الخيار بين ما يجمعون من دنيا وبين ما تلاقي من مغفرة ورحمة فلا تتردد في اختيار مغفرة الله ورحمته، لأنهما خير مما يجمعون.
وفي سورة يونس جاء شبيه بهذه الآية يقول الله تعالى ((قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون)) وهي مقارنة هناك في سورة يونس بين أمرين في الدنيا، بين ما آتاه الله للمؤمنين من آيات قرآنية فيها الوعظ وشفاء الصدور والهدى والرحمة وبين ما يجمع أهل الدنيا، قال تعالى: ((يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين، قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون))، فالمؤمن خياره أفضل وخير من خيار غيره، سواء بما يحصل له من فضل في اختياره في الدنيا أو ما يحصل له من مغفرة بعد الموت، إذ أن أمر المؤمن له كله خير.
إن الكافرين يتحسرون على إخوانهم الذين ماتوا وقتلوا في سفرهم وغزوهم والمؤمنون يلاقون مغفرة الله ورحمته أمامهم بعد موتهم وقتلهم، وهذا دافع رباني وتحرض إلهي قرآني للمؤمنين أن يختاروا ما هو خير لأنفسهم وحياتهم، فعليكم بهذا الطريق ولا تتحسروا على إخوانكم الذين يقتلوا ويموتوا في سبيل الله تعالى، بل ليكن الخوف على الآخرين.
﴿ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون﴾