في سورة الأنبياء، وهي سورة عمدة قضيتها بشرية الأنبياء وأخص صفاتهم وهي عبودية الدعاء وعناية الله تعالى بهم في استجابته لهم سبحانه وتعالى.
لقد علّم آباؤنا أبناءهم إقتحام الصعاب وخوض المفاوز والغمار، فكانت شجاعتهم يضرب بها الأمثال، ويقف الواحد منهم للجيوش ولا يفر، ولقد ذكر الأمير أسامة بن منقذ –وهو من عائلة منقذ التي حكمت قلعة شيزر، وكان لها جهاد مشكور ضد الحروب الصليبية، وكان هذا الأمير –وهو مقاتل فريد وشاعر مجيد وأديب فذ له كتب معروفة طبع منها اثنان أهمهما كتاب الإعتبار، والثاني لباب الآداب- أقول كان هذا الأمير مستشاراً في آخر عمره للملك الناصر صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى وأجزل مثوبته ورفع درجته، ذكر هذا الأمير كيف كانت تربية أبيه له، حيث قال: إنه لم ينهني عن فعل قط فيه مخاطرة، وذكر أنه صعد يوماً إلى سطح بيته ليواجه أفعى عظيمة فلم يصرخ فيه أبوه بل كان ينظر إليه وهو متوجه إليها بوجهه، وكان هذا الأمير يواجه الأسود وذكر أنه قتل عدداً من الأسود، ومن طرائف ما ذكر أن أباه لم ينهه إلا مرة واحدة حيث أتى لأسد عظيم من جهة وجهه فصرخ فيه: لا تأته من وجهه، يعلمه طريقة صيده، فانظر نوع هؤلاء الرجال الذين حاربوا الصليبيين ثم انظر إلى غيرهم تدرك الفرق بينهما، أولئك تذوقوا كتاب الله فانفعلوا به علماً ووجداناً وحباً، فارتقوا به إلى المعالي، وأما غيرهم فقد حجبتهم الشهوات والشبهات فأقعدتهم إلى الحضيض.
﴿ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم﴾
هم يصنعون أوهاماً وأوثاناً وعقائد وأقوالاً فلا تضر أحداً غيرهم، ولا ترتد إلا عليهم، فهم قالوا مقالتهم الكافرة تلك، مقالة وهم وضلال وباطل (أي لا شيء)، فلم تكن إلا حسرة وألماً في قلوبهم فقط دون غيرهم، إذ أن كل كلمات الباطل والوهم لا تصنع حقيقة وجودية واحدة، وكل صرخات الوهميين لا توقف الإعصار ولا الرياح، فالعقائد الباطلة هواء ووهم، وإن كان لها من أثر فهي على نفوس أصحابها فقط، وهو أثر الحسرة والألم، وذلك ككل المعاصي التي يرتكبها أصحابها، يسعون من خلالها إلى السعادة والراحة والإطمئنان، فلا تعود عليهم إلا بالآلام والأمراض، تخدرهم حيناً وتهرش الأجساد التي أنهكها الجرب إلا أن العاقبة بعدها هي الحسرات، وهي آلام النفوس واضطرابها، وهذه لا علاج لها إلا الحقائق كما قال تعالى ((ألا بذكر الله تطمئن القلوب))، كما قال تعالى في سورة الحج ((وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آيته والله عليم حكيم، ليجعل ما يلقي الشيطان فتنتة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد، وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم، ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم)) فالإيمان بالله وحده هو ما تخبت له القلوب وتطمئن به، وأما غيره فهو مرض يصير بصاحبه إلى الحيرة والإضطراب أو إلى الهلكة الحطمة.
في هذه الآية قال الكافرون إن سفر وغزو إخوانهم أماتهم وقتلهم، ولو بقوا تحت عطفنا ورعايتنا وأطاعوا نصائحنا لما وقع الموت أو القتل، فخالفهم إخوانهم فقتلوا وماتوا، فتحسرت وتألمت قلوبهم على إخوانهم بأنهم ألقوا بأنفسهم في