مبيناً)) وكذلك قرن في سورة المزمل عند قوله تعالى ((فاقرؤوا ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله)) ذلك لأن الجهاد في سبيل الله مع ما يحمل من فعل إيماني وهدف رباني إلا أنه يحقق لأصحابه ما يحققه الآخرون من سياقهم وأهداف الضرب في الأرض مطلقاً.
الخوف من الأوهام والمجهول ممنوع في القرآن الكريم، ولذلك من أخطاء التربية أن تقول للطفل "إياك أن تفعل" تخويفاً من الموت أو العطب أو الضرر، وصراخ الأب والأم على ابنيهما حين يمارس فطرته للإكتشاف أو التشوف والتطلع هو مما يدمر الشجاعة والتي هي عماد مهمات الشريعة ومثلها الكرم، فينشأ الطفل مرعوباً خائفاً يهتز لأدنى سانحة وهم، ويرتجف إن قعقع له في الشنان، وينزجر برمي الحجر كالكلب، وهذا ما تصنعه كذلك الأمثال الجاهلية ومعانيها التي يرددها الآباء لأبنائهم والمدرسون لطلابهم، وحين يكبر أمثال هؤلاء ويذهبون لدراسة الشريعة بسبب ضعف عقولهم ومحصلاتهم الدراسية فينتهون إلى خطباء مساجد وقضاة محاكم ومدرسو جامعات ومعاهد فماذا سيخرج منهم بعد ذلك؟!، فالفتوى حالة نفسية قبل أن تكون إدراك عقلي، والخطبة إنفعال مع الحدث لا معادلة رياضية، فهم يخافون كلمة الحق، ويرتجفون من ثمنها المعروف لها، فكيف لهؤلاء أن يقودوا جهاداً يريد أن يحارب فراعنة الدنيا، ودجاجلة الكون، وجيوش الطغاة؟!
غن مشكلة الطاعنين في الجهاد مشكلة نفسية تربوية، ولو قرأ المرء كل كلامهم لما وجد إلا هذه الأعراض والأمراض، لكنها تتغلف بغلاف الشريعة، وتتقنع بقناع الدليل، فيلفقون الأدلة، ولن يعدموا قولاً لعالم قال كلمة في ظرف من الظروف ليتخذها حجة لهذا الجبن والخور، وهم أحب الناس للدنيا، وأبغض الناس للموت ولقاء الله، ومعيشتهم تكشفهم ولو قال قائل فيهم قوله تعالى ((أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها)) لما أبعد بل لأصاب الحق والواقع.
﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا﴾
هذا حكم الله في الذين يكفرون بالقدر، ويمنعون إخوانهم من الضرب في الأرض والجهاد في سبيل الله مخافة الموت أو القتل، ويدخل في الموت أو القتل ما كان في معناهما من الإبتلاءات كالعطب والسجن والضرر، يحذر المؤمنين من فعلهم، وكأن إخوانهم ببقائهم عندهم سيحمونهم من الموت أو القتل، وكأن الموت في مكان دون مكان وفي فعل دون فعل، ويعجبني أن أسوق هذه الطرفة العربية العظيمة ضد إعتقاد الكافرين والجاهلين، فقد سأل أحدهم رجلاً:- أين تعمل؟ قال في البحر، فقال له: أين مات أبوك؟ فرد الرجل: في البحر، فقال السائل:- وما زلت تعمل في البحر، فرد الرجل:- أين تنام؟ قال: على فراشي. فقال له: ومازلت تنام على فراشك. وقد صدق والله قائل هذه الحكمة، فمن هو الخالد والله يقول:- ((وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن متّ فهم الخالدون)) وقال تعالى ((وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون، وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين)) وهذه الآيات