تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الهدى والنور والحياة، بل هو روح هذه الأمة –وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا-، فإن الجاهلية والتربية التي تصوغها لأفرادها تعطل روح الإقتحام والمغامرة والإندفاع للمعالي مخافة العطب والضرر والموت، والقرآن يحطم هذه الأغلال العقلية الباطلة، ويحرر النفوس الجبانة المتخاذلة، فيطلق المهتدين به في شجاعة نادرة، ولا تقبل منهم الدون والصغائر في أمر من أمورهم، فإن سألوا الله الجنة فعليهم أن يسألوه الفردوس الأعلى، فلا عوائق ولا قيود ولا أغلال ولا صغائر ودنايا بل هي الإرادة المتحررة إلا من عبوديتها لله تعالى واتباعها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ورجاء الدار الآخرة، فلا يوجد ما هو كبير لا ينازع لأن الله لم يرفع شيئاً إلا وضعه، ولا يوجد ما يخاف منه لأن كل مكتوب ستراه حتى لو هربت إلى جحر تحت الأرض.

الغزو في سبيل الله هو امتحان الإرادة أمام نفسها، وأمام أعدائها مهما بلغوا قوة، وعوائق الغزو كلها اوهام، وهي تنشأ من الخوف والجهل، الخوف من الضرر والجهل بالعواقب، والقرآن يحطم في هذه الآية هذه العوائق، فالضرر إن كتب لن يتمكن من الهروب منه، والعواقب مقدرة لا مفر منها، فقد جف القلم ورفعت الصحف.

كتاب ودين يهدي أتباعه لهذه القيم، ويرفع نفوسهم لهذه المعالي، ويطلق إراداتهم إلى أقصى الحدود والغايات الإنسانية ثم يأتي سدنة الفكر، وحراس العقول، وتجار القضايا ليحطموا كل هذه القيم ويعيدوا المسلم إلى قيود الجهل والصبر البهيمي والرعب من المستقبل والمجهول، وبدل أن يتحول الموت إلى قيمة إيمانية تخرجه من السجن الدنيوي إلى جنان الآخرة يصبح الموت رعباً يخوف به، ويرفع كعصا التأديب لإيقاف المؤمنين من اللحوق إلى ساحات الجهاد ورفض الدنية والذلة، ومما يشاهد اليوم هذا الجبن الذي يطلقه الآباء والوعاظ والتربويون في مجتمعاتنا تحت دعوى السلامة وتحقيق المستقبل الدنيوي، وترك المصادمة واقتحام العقبات حتى أخذ غيرنا من الكفار هذه القيم وغرسوها في أبنائهم، ومن العجب أن الإنسان الفطري في أمتنا هو الأسلم قلباً، والأكثر شجاعة من غيره ممن أقبل على التعلم، لأن هؤلاء أرادوا العلم للدنيا وتحصيل مراتبها لا ليصلح عقولهم وقلوبهم وقيمهم، ولذلك تراهم أقل الناس إقبالاً على غمرات الحياة وخطوبها.

المؤمنون في هذه الآية يخرجون ضرباً في الارض من أجل مصالح الوجود، وغزى ليصلحوا هذه المصالح على أمر الله ودينه، والضرب في الأرض من أعلى ما يسلك الإنسان في حياته، لما يحققه فيه من مصالح ومنافع حياتية وعقلية ونفسية، فالرحلة كانت سمة المجتمع المسلم في كل مراتبه العلمية والحياتية، وهي سمة المجتمع الحي الذي يؤثر ويتأثر، فكل العلوم الشرعية بنيت على هذا الطريق والمسلك، وكل المجتمعات الإسلامية بنيت عليه كذلك، والكلام على هذا الأمر وأثره في الشعوب والمجتمعات طويل وبسيط، والقرآن يبطل عوائق هذه السمة الإنسانية الرفيعة ويحكم موانعها، وقد وضعت هذه السمة ضمن سياق الجهاد في سبيل الله تعالى لأنه سياحة هذه الأمة، وقد رأيناه كذلك في سياق واحد في سورة النساء حيث ذكر الضرب في سبيل الله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ... إلى قوله تعالى ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعة ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفوراً رحيماً)) فقال سبحانه وتعالى بعد ذلك ((وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة .... إلى قوله تعالى إن الكافرين كانوا لكم عدواً

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ١٤٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ١٤٩