حتى لو فر من الزحف إن تاب وأناب وعاد إلى موطنه وغرزه، وأما الطاعنون والقاعدون بحجة الطهر التام فهم جهلة ضالون لا يعرفون الحياة ولا ربهم ولا يعلمون سنة الله تعالى في المجاهدين من مغفرة الذنوب وجبر الأخطاء.
يقول البعض: جاهدنا كثيراً فماذا جنينا من الجهاد سوى الأخطاء والإخفاقات؟! فنقول: كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً. بل والله ما كان الجهاد يوماً إلا عزة لأهله في الدنيا وكرامة وشهادة لهم في الآخرة، وما من خير تعيشه أمة الإسلام إلا بسبب الجهاد في سبيل الله، فهم الذين يتاجرون بدماء الشهداء وبالإنجازات التي يحققها المجاهدون، فيأتون إلى الجاهلية ليأكلوا بها مناصب وعلقماً لأهوائهم وشهواتهم، فيظن الظان أن هذا بسبب الجهاد ولا يعلم الأمر على حقيقته، فالداء ليس في الجهاد والمجاهدين إنما هو في المنافقين والقاعدين.
لقد ابتلى الله الأمة المسلمة بهؤلاء القوم وهم أشبه بالذباب يطيرون إلى كل موطن وساحة خير لاقتناص المنافع التي يحققها المجاهدون، وبسبب علو صوتهم وحدة ألسنتهم وعلوها دون قلوبهم يقفون فوق هذه المنافع ليعلنوا أنهم أصحابها ورجالها وصناعها، ولا يكتفون بهذا بل لتسلم لهم هذه المنافع دون غيرهم يبدؤون بطعن المجاهدين وتخذيلهم وإبانة عوراتهم وأخطائهم، فيسير الكثير من الناس إليهم ويَصْفوا المجاهدون قلة قليلة تعيش محنها وابتلاءاتها، فما أن ينفض سوق الجهاد في هذا الموطن حتى يستقر غبار المعارك على هذا الوضع، الذباب يجلسون على مكاسب المجاهدين، ولا يبقى في ذاكرة الناس إلا أخطاء المجاهدين وأغلاطهم، وهذا المشهد يتكرر في زماننا هذا كثيراً، وسبب تكراره قال من قال هذ المقالة المنكرة.
إن أشد الناس إستفادة من آثار الجهاد والمجاهدين هم من يطعنونه ويشتمونه ويكشفون عورات المسلمين، ذلك لتصفو لهم مكاسبهم، فتنسب إليهم لا لغيرهم من أصحابها الشرعيين، ومن هؤلاء من يرفع راية الإسلام ومنهم من يرفع راية الجاهلية لكن اللعبة المجرمة واحدة، وهذه الجريمة والحق يقال من الصعب أن تعالج إلا بالصبر لأن حال المجاهدين اليوم هو حال الأنصار، يكثرون عند الفزع ويقلون عند الطعن ويكفيهم أن يصبروا حتى يلاقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الحوض، ومن رجا الدار الآخرة وإرضاء الله فلا يهمه أن تذهب الدنيا كلها فإنها لا تعدل عند الله جناح بعوضة، ولذلك فليحذر المجاهدون من منافسة هؤلاء أو إقامة حروب بينهم وبين المنافقين من هذا النوع لأن الناس جهلة في التفريق بين المجاهد وبين المنافق من هؤلاء وسيقول الناس:- إن محمداً يقتل أصحابه، فالصبر هو الطريق الوحيد لا غير، وإدامة الجهاد مع الكافرين والمرتدين دون غيرهم في زمن الجاهلية اليوم لأن حمل هؤلاء ثقيل ولا قدرة للمجاهدين على تحمل شر أكبر، فإن قتال المنافقين في مثل هذا الزمن لا يفعله عاقل بصير بأحوال الناس، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك قتالهم وهو الممكن في الأرض، مع ما في قلوب الصحابة رضي الله عنهم من حبه أكثر من أنفسهم، ومع ذلك كان يخاف مقالة الناس التي تفسد القلوب وتغيرها.
سيخطئ المجاهدون وستبرز آلة الجاهلية والنفاق هذه الأخطاء ولا علاج لذلك إلا الصبر ورجاء الدار الآخرة فهما بلسم الجراح ودواء كل داء.
ليستغفر المجاهدون ربهم من ذنوبهم ومعاصيهم، ولا يلقوا بالاً ولا آذاناً للمنافقين والزنادقة والطاعنين، ولا ينافسوا قط أهل الدنيا في شيء من أشباه الدنيا حتى لو كانوا هم أصحابها، ولكن ليثبتوا على طريق الجهاد ودرب الشهادة، ولا