تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والهم والحزن، وهذه مكفرات الذنوب، وأما الكفار فيؤخر الله عقوبته في الآخرة لتكون أشد وأقسى، وهذا على خلاف النعيم والحسنات، فإن الكافر تعجل حسناته في الدنيا وتؤخذ للمؤمن إلى الآخرة، وهذا من رحمة الله تعالى بالمؤمنين ومكره بالكافرين.

والأمر ههنا فيه أمور منها:-

إن الله سبحانه ذكر هذا الفضل والرحمة بمغفرته لعبيده الذين تولوا بعد ختمه الآية السابقة بابتلاء ما في الصدور وتمحيص ما في القلوب ليشير إلى مدح هؤلاء وفضلهم، فإنهم ولا شك سليمو الصدور مؤمنون صادقون، وذلك لأن المغفرة لا تقع إلا على تائب، فقد وقعت منهم التوبة فعلم الله صدق قلوبهم وإيمانهم فغفر لهم وعفا عنهم، فالمؤمن يخطئ كما أخطأ أبوه آدم ولكن لا يستكبر ولا يصر على ذنبه بل يراجع نفسه ويستغفر فيعود أفضل مما كان عليه قبل ذنبه.

ومنها أن الله ذكر أمر غفرانه للمتولين بعد ذكره أمر المنافقين الذين قالوا مقالاتهم تلك التي تقدمت ليبين الفرق بين حال من فعل وهو يعلم خطأ نفسه فيستغفر وبين من يبغض قدر الله تعالى ويعترض على شرعه بما يقع له من هذه الأقدار مثل هؤلاء يعيرون بالذنوب وبالأقوال الضالة التي قالوها، ورجاء التوبة لهم قليل لأن الفساد في قلوبهم، فالفرق كبير بين ذنب يفعله صاحبه وهو يعلم خطأه فيستغفر، وبين آخر إنما ذنبه من جهة جهله بشرع الله وحكمته في أقداره فيعترض وينكر ويبغض فهذا بعيد عن التوبة إلا أن يصفو قلبه ويطهر.

ومنها أنه لا يجوز لأحد أن يعيّر أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الفعل كما يفعل الضالون من أهل البدع إذ أن الله ربهم قد غفر لهم مغفرة قد أكدها بلام التأكيد وقد التحقيق.

لقد تمّ ختم مشهد المعركة كما بدأ، إذ بدأه الله تعالى بذكر العفو –ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين- وختم بهذه الآية، وهذا يدل على حب الله تعالى لهؤلاء الجند وبغضه لأعدائهم من المنافقين، وأن المجاهدين لا تثريب عليهم إذ أن أمر الجهاد ليس أمراً هيناً وله خطوب ومحن لا يعرفها القاعدون الذين يتقنون لوك الكلمات وصناعة الحروف، فالبطولة عندهم أمر ذهني يتخيلونه دون أن يعرفوها، والشجاعة وهم يسبغونها على أنفسهم دون إمتحان لها، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم عن الشهيد ((كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة))، فإخفاق البعض في مواطن النزال والحروب والمعامع مع سلامة الصدر أمر محتمل لكنه الكر بعد الفر، والإقبال بعد الإدبار، والإستغفار بعد الفرار حتى تستقيم النفس على حال من الشجاعة والإقدام أو تنال الشهادة في سبيل الله تعالى.

إنها دعوة ربانية أن أقبلوا فأنا رحيم بكم، صاحب الفضل عليكم في أولاكم وغافر الذنوب لكم في أخراكم، ولا يقل المؤمن كما يقول المنافقون ((إئذن لي ولا تفتني)) بل هو يقبل ويدفع نفسه ما استطاع فإن أخفق في أولى فله ثانية وثالثة حتى ينال ما يحب من رضا الله تعالى.

فالمسلم لا يترك العمل مخافة الخطأ والذنب، ولا مخافة الرياء، فإن هذا الفعل هو طريق الضالين من الجهلة أو المنافقين، بل المؤمن يلقي نفسه إلى الطاعات وأعلاها في هذا الباب الجهاد في سبيل الله تعالى فإن أخطأ فخطؤه مغفور

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ١٤٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ١٤٦