العامل المكون للشجاعة والكرم لا يعني إشارة إلى دافع واحد، لأن السائل يظن أننا نقصد بالإيمان الصلاة أو الحج أو ذكر الله تعالى، وهي عوامل مقوية ولاشك، لكنها ليست هي مستقلة فتنشئ الشجاعة والكرم، فهذا العابد ((أي المصلّي والذاكر)) قد أتى بإحدى مقويات الفعل أي الشجاعة والكرم لكن لم يأت بالعلل الأخرى الدافعة لها وبذلك تتخلف الحياة بتخلف الهواء حتى لو وجد الطعام والشراب أو المسكن واللباس.
الشجاعة والكرم ملكتان نفسيتان تتكونان كما تتكون كل الملكات الإنسانية بالعلم وتقوية دوافعهما لتنشط الإرادة لهما، ثم هناك عقبة أخرى وذلك بإزالة أو إضعاف موانعها.
لقد قال العلماء الحكماء قديماً إن السبب المعيَّن لا يستقل بالمطلوب بل لابدّ معه من أسباب أخرى، ومع هذا فلها موانع فإن لم يكمل الله الأسباب ويدفع الموانع لم يحصل المقصود، فهذه قاعدة العمل شرعاً وقدراً.
ثمَّ إن كثيراً من الملكات النفسية هي جبلية فطرية يمنّ الله بها على بعض خلقه لحكمة يعلمها فيهم دون غيرهم، فهذا باب آخر من أبواب حدوث هذه الأمور لا نعرف حقيقته لأنه من أمور القدر الخفية التي تستعصي على العقول وقد أمرنا بالإمساك عن الخوض فيها لقوله صلى الله عليه وسلم ((إذا ذكر القدر فأمسكوا)).
فالملكات النفسية تكون بإيجاد أسبابها المتعددة، فمنهم من يأتي بهذه الأسباب على وجه الإخلاص ومنهم من يأتي بها على وجه طلب الدنيا كالشهرة، ومنهم من تأتيه على وجه التربية التي نشأ فيها، وهكذا jتعدد الدوافع لحصول هذه الأسباب المكونة لهذه الملكات، ولكن أعظم مكوناتها هي التربية الإيمانية بمفهومها الشامل العلمي والعملي، فإن حصلت بغير هذه فإما أن تحصل على وجه الفطرة والجبلية في النفس وإما أن تحصل بوجود أسبابها النفسية القدرية لكنها لا تكون إيماناً إلا بكونها عبادة لله ورجاء الدار الآخرة.
إن الإيمان بالدار الآخرة هو الذي يقوم النفس الجبانة والشحيحة، ثمَّ إن في وضع صاحب هذه النفس في غمرات الشجاعة أي في ساحات الجهاد يصلح هذه النفس ويقومها، وأما بقية الأعمال الإيمانية فهي مقوية لتحصيلهما، والشيء لا يقوى إلا بوجود أصله، لكن الناس ينصرفون إلى إلغاء الأصل وعدم النظر إليه ويلتفتون إلى المقويات والمشحنات، وهذا شأن كثير من الوعاظ والخطباء كظنهم أن التوكل يصلح مستقلاً لتحصيل المطلوب، أو الدعاء أو غيرها، هذا إن علموا معاني هذه الألفاظ على وجه صحيح فإن بعضهم ينسب لهذه الألفاظ معاني باطلة كما ينسبون للصبر والصلاح والتقوى معاني مبتدعة كمن يظن أن الصالح هو الفقير لزوماً أو هو صاحب سمت خاص يتخيله في نفسه، فعلى هذا فإن الطاعات تقوي النفس لفعل الطاعات كالشجاعة والكرم، والمعاصي تضعفها على هذا المعنى الذي ذكرناه والله الموفق.
أما قوله تعالى ﴿إن الله غفور حليم﴾ فلأن الموطن لهما، فهو موطن الغفران للذنب الذي اقترفوه بالتولي، وأما الحلم فلأنه ضد تعجيل الغضب والعذاب، فإن التولي يستوجبهما ولكن لأن هؤلاء هم جنده وعبيده وهم الذين يُعدهم ويربيهم فأخطاؤهم مغفورة، وميدان التربية يستوجب الحلم والصبر والرأفة فسبحانه جلّ في علاه، وإن من رحمة الله تعالى أن يعجل الله للمؤمن العقوبة في الدنيا، وهذا ما كان هنا حيث قتل منهم من قتل وجرح من جرح ووقعوا جميعهم في الألم