قالت ابنة الرجل الصالح في مدين لأبيها وهي تحضه على استئجار موسى عليه السلام:- ((إن خير من استأجرت القوي الأمين))، وكان قول أبيها بعد العقد مطمئناً موسى عليه السلام ((ستجدني إن شاء الله من الصالحين)).
هكذا يعلم المسلمون أن الجهاد في سبيل الله تعالى لا تتحقق لهم نتائجه، ولا يأتيهم النصر إلا بالربانية وحسن العبودية لله تعالى، فهم أولى الناس بالخوف من المعاصي والذنوب لما يعلمون أن الذنب الذي يقترفونه في خلوتهم سيكون مردوده على الأمة جميعاً حين تحضر الصفوف ويتم النزال.
لكن قد يسأل سائل لم نر الخور والجبن في بعض العباد والصالحين، ونرى الشجاعة والكرم والإقدام في بعض العصاة والمذنبين؟! وللجواب على هذا السؤال أقول:-
إن من الواجب الذي لا يجوز الجهل به لفهم القرآن والحياة أن يعلم أنه لا يوجد فعل من الأفعال يقع بسبب علة واحدة إن وجدت منفردة حصل الفعل، والجهل في هذا الأمر هو ما يمنع فهم الكثير من الآيات القرآنية على وجهها الصحيح كما يمنع تفسير وقائع الوجود والتاريخ كذلك وللتفصيل أقول:-
لقد علق القرآن الكريم النصر والعزة بالإيمان، والإيمان كما هو معلوم ليس شيئاً واحداً، بل هو كل أثر أمر الشارع به، ومن الأوامر المحبوبة لله سبحانه وتعالى القوة، لقوله تعالى ((وأعدوا)) ولقوله صلى الله عليه وسلم ((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف))، والكثير يظن أن القوة ليست من شعب الإيمان، كما يظنون أن الإيمان شيء واحد له تعلق بالقلب فقط، وهذا إنحراف عن الجادة وعن الحق والقرآن.
إن الحياة فعل ولكنها لا تقع بعلة واحدة تقوم بها فقط، فالإنسان لا يكون حياً إلا بطعام وشراب وهواء وغيرها، فوجود الحياة يتطلب ضروريات وحاجيات وتحسينات كما يقسمها العلماء، فلتمام الحياة لابد من هذه، وتنقص الحياة بمقدار نقص هذه الأمور، ففوات بعضها يؤدي فوات أصل الحياة، وبعضها إن فات لا تفوت كل الحياة ولكن يفوت بعضها بحسبه.
حين يقرأ المرء قوله تعالى عن العسل ((فيه شفاء للناس)) فيظن أن العسل وحده هو الذي يحقق كل الشفاء من كل الأمراض، فإنه ولاشك يكون جاهلاً لعلم الأبدان والأمراض والأدوية، وهو ولاشك جاهل في تفسير الآية القرآنية، لأن هناك من الأمراض ما لا يصلح لها العسل، وهناك من الأمراض ما لا يستقل العسل لوحده بشفائها، وجهل هذا في فهم الآية كجهل من يقول إن المرء إن وقف بعرفة حصل له الحج من دون أن يأتي بغيره من أعمال النسك لقوله صلى الله عليه وسلم:- ((الحج عرفة))، وهذا الجهل منتشر في تفسير الآيات والأحاديث قديماً وحديثاً كقول القائل أن تارك الصلاة يدخل الجنة لقوله صلى الله عليه وسلم:- ((من قال لا إله إلا الله يدخل الجنة على ما كان عليه من العمل)) والأمثلة كثيرة.
فالكرم والشجاعة فعلان يقومان عن إرادة، وهذه الإرادة لها دوافع كثيرة تكونها، ومن الصعوبة تحديد قوة هذه الدوافع وكيف تكون في البشر، لكن الإيمان بلا شك هو أقواها وأكثرها فاعلية لكن يمكن للإيمان أن يضعف في لحظات إنسانية فيأتي الفعل الإنساني على ضده لتغلب غيره عليه في لحظة صراع بينهما، فحين نقول إن الإيمان هو