وبغياب الجهاد يستنسر البغاث، ويتقدم أهل الشهوات والأمراض القلبية، بل يصيرون هم أهل الحل والعقد، وبمثل هؤلاء يصبح المجتمع المسلم مجتمع تجار دنيويين، يتعاملون مع دولة الإسلام من منطلق المنفعة الدنيوية لا من دوافع الإسلام وأهدافه وقيمه.
إن البعض يحب الجهاد ما دام يحقق الإنتصارات لكن إن كان فيه الآلام والقروح والشهداء والسجون فهو مردود لأنه لا يحقق المصلحة كما يزعموا، والمصالح عندهم معيارها هي الدنيا لا غير، وأما مصالح الدين والعباد والشهداء والمنفقين في سبيل الله تعالى فهذه ليست من المصالح في شيء عندهم، ولو تصور هؤلاء حال الأمة ما لو غاب الجهاد واندثرت ساحاته وأعرض عنه أصحابه لعلموا أي ضلال وفساد سيكون في الأرض، فحين تحرم الأمة من مصرف أموالهم في الجهاد والقتال، وحين يغلق على الأمة باب الهجرة في سبيل الله تعالى، وحين يعطل باب الجهاد، فكم من آية من كتاب الله تعطل؟! وكم من حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا يُعمل به؟! وأي باب من أبواب الفقه يصبح مجرد كلمات لا مفهوم لها إلا في الأذهان فقط؟!
لو تذكر هؤلاء وتصوروا هذا الحال لعلموا أي شر يدعون إليه وهم لا يعلمون، أما فضل الجهاد في تشكل التجمعات والمدن الإسلامية فهذا أمر يحتاج لوحده إلى مجلد مستقل للكلام فيه.
﴿إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور رحيم﴾
إن المعاصي الكبرى التي تتعلق بالأمة ومصيرها، إنما تنشأ من العاصي الصغرى التي يقترفها الأفراد في إختلائهم وفي فضاء خصوصياتهم، وبهذا يظهر أثر المعاصي الخاصة الخفية على الواقع والجماعة عند محنها الكبرى والعامة، ذلك لأن الذنوب لها أثر على النفوس، فهي تؤثر على أصل كل أخلاق وصفات المسلم وهو الإيمان، فالإيمان هو مصدر الشجاعة والثبات والكرم والعطاء والفداء، وحين تأتيه المعاصي فإنها تضعفه فتضعف أثره وقيمه التابعة له، وحين يأتي البلاء والإمتحان تتكشف جوانب الضعف هذه فتبدو بوضوح وجلاء.
فهؤلاء الذين تولوا يوم أحد إنما وقع منهم ذلك بسبب حب الدنيا كما قال تعالى من قبل، وهذا المرض في النفوس علته ههنا هو ما كسب الإنسان من الأعمال فكانت هذه الأعمال وسيلة لقيادة الشيطان والإنسياق خلفه، فالشيطان قد أزالهم من مواطن الثبات وأخذهم إلى المعصية بسبب ما كسبوا من الذنوب سابقاً، وكلما كثرت هذه المعاصي كان للشيطان طريقاً أقوى على صاحبها.
الناس عادة لا يربطون بين الأفكار والأعمال، والكثير منهم اليوم يحاول أن يفرق بين فكر المرء وعقله وبين سلوكه، وهذا مخالف لميزان القرآن كما تقدم من جمع القرآن بين الظن والهوى ((إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس)) والكثير منهم لا يربط بين المعاصي الخاصة والمواقف العامة وهذه الآية ترد عليهم وتكشف خطأهم هذا، فإن حسن العلاقة مع الله في السر وفي خصوصية المرء تهديه إلى حسن المواقف العامة التي لها تعلق بحياة المسلمين من إدارة وقيادة وسلوك، ولذلك كان السلف لا يولون إلا الصالحين ما اجتمع فيهم القوة على الأمر الذي يتولونه ولذلك