فسيموت هذه الميتة دون غيرها، ولو لم يخرجوا للجهاد فيموتوا شهداء لجاءهم الموت وهم في بيوتهم وعلى سررهم التي ينامون عليها، ولكن هؤلاء أكرمهم الله بالموت في ساحة الجهاد وغيرهم ممن جبن دخل الأعداء عليه بيته ومضجعه وذبح ذبح الشياه في ذلة ومهانة، فهذا ردّ القرآن عليهم، وهو رد على كل الطاعنين في الجهاد أنهم يسببون الموت والقتل للسلمين، وهي فضيلة لا تنكر لهم لأنهم هم الذين حرضوا الشباب على الجهاد فأخذوهم إلى ساحته فماتوا هناك شهداء سعداء فرحين بلقاء الله، ولو لم يكن لذلك ولم ييسر لهم أهل الجهاد لماتوا قتلاً في مواخير الخمر وهم يتصارعون سكارى، أو لماتوا على مدرجات الملاعب ينبحون كالكلاب ويتصارعون على الوهم والخداع وقصف العقول، ولقتلوا في صراعات الجيوش الجاهلية وهم جنود لطواغيتها حفاظاً لمصاحلهم وكراسيهم، نعم سيقتلون لا مفر، فلا تزعموا حرصكم على الأرواح المسلمة ونفوس الشباب لأنكم جهلة لا تعلمون كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم حتى لو جلستم في حلق الدروس تعلمون الناس عقيدة السلف وتوحيدهم وتلوكون كلمات الأوئل في الرد على المخالفين.
في مواطن الجهاد والشهادة أنت تبرز للموت، فلا تخافه ولا تخشاه بل تحب لقاء الله تعالى، وفي مواطن الجبن حين تختفي وراء الأسوار وتجلس مجالس النساء يبرز إليك الموت وأنت ترتجف هلعاً وخوفاً فتموت مئات المرات، ((لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم)) وهي صورة لا يرضاها الرجال بل المؤمنون، لأن القتل حين يبرز للرجل وهو مضطجع فإنه موقف لا يليق بهم ولا يحسن بعباد الله الصالحين.
إن القرآن يعلمنا هنا أن لا يغيب الجهاد والمجاهدين بما يقع للمسلمين ولهم بسبب الجهاد من موت وقتل وسجن ومحن، ولكن يعلمنا أن نعيب المعصية والتنازع والتخاذل، فالواجب على الناصحين الحكماء، وعلى العلماء الربانيين أن يعيبوا على المجاهدين إن وقعت أحدٌ يوماً أن يقولوا لهم ((حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم))، ثم عليهم أن يحرضوهم إلى معركة أخرى مع الجراح كما وقع لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حمراء الأسد كما سيأتي في قوله تعالى ((الذين استجابوا لله وللرسول من بعد ما أصابهم القرح .... )).
هذا هو دين الله، وهو أمره وهو طريق الربانيين الذين يعلمون دين الله حق العلم، ويقرؤون كتاب الله حق القراءة، ولا يرتجفون لرؤية الموت والجروح والحروق وفتح السجون، بل هم يحمدون الله أن يسَّر للأمة مجاهدين حتى تقع هذه الأقدار في طاعته وفي طريق الجهاد في سبيل الله تعالى لا في المعاصي وضلالات الطريق.
إن القارئ لتاريخ الأمة المسلمة ليعلم صدق هذه السنة الربانية، وزماننا يشهد لهذه الآية القرآنية، فقد دفعت الأمة الكثير من القتلى جبناً، ومات الكثير في سبل المعاصي، ولو قارنا عدد هؤلاء القتلى في مضاجعهم وفي مخابئهم وفي طرق الذلة والمعصية وبين عدد من مات في سبيل الله تعالى لرأينا الفارق كبيراً جداً، ولكن أهل الزيغ والضلال والجهالة ومعهم أهل النفاق والزندقة لا يحصون إلا على المجاهدين، وأما عيونهم على أهل المعاصي فهي في عماء، لقد عيّروا على المجاهدين أنهم كانوا سبباً لقتل المئات من الشباب، وسجن مثلهم أو عشرات المئات، وهم لا يحصون عدد المسجونين بسبب المعاصي والإنحرافات، ولا يعدون القتلى في سبل المعاصي، ومن عجائب عصرنا أن النفاق في الفقهاء أكثر من وجوده في العوام، ولو أطاعهم شباب الجهاد مع قلتهم لأغلق باب الشهادة في هذه الأمة، ولكن