تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الإيمان بالقدر ليس فكرة عقلية فقط يعلمها المرء كما يعلم مفردة ما في هذه الحياة، بل الإيمان بالقدر شعور وإحساس ينفجر كل حادثة وكل موقف وكل أزمة ليطغى على كيان الإنسان كله، فيسبغ عليه الرضا والإطمئنان والراحة، فهو دواء حاضر يصدم ويعالج كل الأحزان والهموم والعقبات، وهو داء أقوى من كل أمراض الوجود الإنسانية، دواء كامن في القلب والشعور كما في العقل والفكر، ومن عجيب الأمر أن نرى قوماً يلوكون كلمات العقائد، ويدرسونها، ويردون على أصحاب البدع وأقوالهم البطالة في القضاء والقدر، وهم مع ذلك يقولون أقوال الجاهلية في المحن، بل إن بعضهم أرسل الرسائل لقادة المجاهدين يقول لهم ما قال المنافقون هنا ((لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا)) وقالوا الأقوال البطالة الأخرى التي قالها المنافقون فيما سيأتي وصفها من كتاب الله في هذا الموطن، فما مفهوم الإيمان بالقضاء والقدر عند هؤلاء؟! وأي جزء من أجزاء انسانيتهم يطوي على هذه المعرفة العلمية؟! ثم من أهدى سبيلاً أهؤلاء المتكلمون والقوالون أم الإنسان الفطري حين تأتيه المصائب فلا يزيد أن يقول:- إنا لله وإنا إليه راجعون؟!

الإيمان بناء نفسي تنطوي عليه المشاعر فتنفعل به، وليس كلمات تعبر عن قضية من قضايا الوجود لا تعلق للعارف بها إلا بكونها حقيقة من الحقائق يعلمها العقل وتستقر فيه دون أن تتجاوزه، وهذا البناء النفسي هو الذي يمتحن ويبتلى في الملمات والمصائب، وبمقدار رسوخه وثباته يقوى على تجاوزها وتخطيها، وكل ضعف فيه يرتد على صاحبه ضعفاً في هذه المواقف، والضعف في عمومه لا يكون حلاً أو لباساً بل يكون جاهاً وسلطاناً أو غيرهما، والذين يحاولون ردّ تركهم للجهاد في سبيل الله أن ذلك يعود لأسباب علمية هم واهمون وإن صدقناهم، ذلك لأن الشيطان والنفس يتقنعان بقناع العلمية والعقلانية، والإنسان نفسه قد تخدعه نفسه وهو لا يدري، إذ تأتيه باسم العلم والدين، والأمر في حقيقته شهوة وهدى، ولذلك قرن الله تعالى الظن بالهوى فقال سبحانه وتعالى ((إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس)) وجعل مقابلها ((الهدى)) فقال ((ولقد جاءهم من ربهم الهدى)) وهذا في سورة النجم، وهي سورة مكية أرست قواعد العلوم وطرق الإستدلال، وردت على الطرق الباطلة فيهما، وطرح قواعد العلوم الإنسانية وطرق الإستدلال في هذا الوقت المبكر من الرسالة يدل على أهمية هذا الأمر، لأن تثقيف العقل المسلم ((الثقافة بمعناها العلمي والتربوي لا بما تستخدم اليوم من معاني باطلة تؤولها عن معناها الحقيقي)) أقول لأن تثقيف العقل المسلم من أهم الأمور وأولاها.

لقد قرنت الآية بين الظن، وهو ما يقابل الوحي، وبين الهدى، لأنه ما من قول يقوله صاحبه خلاف الأمر الشرعي إلا وداعيه الهوى، وقد فصّل الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى في الإعتصام هذه القضية كاشفاً العلاقة بين البدعة وبين الهوى، مع أن صاحب البدعة يتقنع بقناع حب الله تعالى وحب الرسول صلى الله عليه وسلم، وداعيه إنما هو زيادة التعبد لا تركه، ولكن كل هذا غطاء كاذب للهوى يتبعه صاحبه، سواء عرف أم لم يعرف.

﴿يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا﴾ هذا قولهم، إذ يزعمون أن إختيار الخروج لأحد هو سبب لحوق الموت بالناس، وينسون أن الموت كتاب مؤجل، قد قضي الأمر فيه وانتهى، وهم ههنا سموه القتل، لا الموت، والقرآن يرد عليهم ((قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم)) فإن قدر الله لأحد أن يموت قتلاً

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ١٤٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ١٤٠