وألوهيته، والمنافقون يطعنون في الأمر الشرعي، وهو هاهنا الجهاد في سبيل الله تعالى، لما يجره عليهم من الأقدار، وهي الإبتلاءات والمحن، وقد وصف الله الجهاد بأنه كره لهم مع أنه خير لهم، والحق أن كل خير للإنسان في هذه الدنيا لا يقع إلا مع الصعاب والمشقات، فها هي مريم عليها السلام تأتيها الملائكة فتبشرها بعيسى عليه السلام كما قال تعالى ((إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين ... )) ومع هذه البشرى العزيمة والآية الربانية الجليلة التي جعلها الله تعالى فارقاً من فوارق الإيمان والكفر في البشرية جميعاً بعد مولده عليه السلام، إلا أن مريم عليها السلام، وهي الصديقة تتمنى أن تموت قبل ان تحمل به وتلده فيقول الله على لسانها ((يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً)) فللبشرى آلامها وضريبتها ومشقتها، وها هو يوسف الصديق صلى الله عليه وسلم لا يحصل له البشرى والكرامة في تأويل الرؤى وحصول رؤيته العظيمة إلا بعد رحلة طويلة من البلاء والسجون وفراق الأب والأم والديار، وهذه سنة مضطردة لا تتخلف أبداً، وصدق الإمام الحبيب العظيم محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه حين يقول "لا يمكّن المرء حتى يبتلى"، بل والله لا يتعلم حتى يبتلى، فالإبتلاء طريق الفضائل كلها، وطريق الكرامات كلها، ولكن المنافقين لا يرون هذا، إنهم يريدون الجنة لكن إن جاءت فتنة الناس نسوها وطعنوا في دين الله وفي شرعه.
إن الجنة لا تكون لأحد إلا بامتثال أمر الله تعالى، وإن الجنة محفوفة بالمكاره، دل هذا أن أوامر الله تعالى هي مكاره على النفوس لا تحبها، والزنادقة اليوم ومعهم المنافقون إنما يطعنون في شرع الله والجهاد في سبيل الله تعالى لما يصيبهم منه، ولما يقع بسببه من فوات شهواتهم وملذاتهم، وهم المترفون الذين يعيشون في رغد الحياة وملذاتها، والجهاد في سبيل الله تعالى ليس إختياراً لأحد يفعله ويدين به إن انتصر فقط، أو كان أقوى من خصمه وأكثر دعة وعتاداً، بل الجهاد أمر الله تعالى يفعله المؤمن ويمارسه ويدين به في كل الظروف، في ضعفه وقوته، ووقت النصر والمصائب، لأن الأمر كله لله تعالى.
﴿يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك﴾
هذه علامة فارقة بين إختيارك واختيارهم حتى وإن اتفقت الآراء، فكلاكما قد اتفق على عدم الخروج إلى أحد، أنت وهم، لكن داعي القولين مختلف، فهم يسرون الباطل، وباطنهم ليس معك، ونياتهم على غير صفوك، فإنهم وإن أبدو لك ما تحب إلا أنهم يبطنون لك ما تكره.
في قوله تعالى هذا دليل على وجوب النصح التام للقائد في كل المواطن، وخاصة مواطن الجاهد في سبيل الله، وأي إسرار لما يعلم المرء من خيانة لله ولرسوله وللمؤمنين، إذ أن كل ما يعلم يجب أن يتداوله أهل الشأن ليكونوا على بصيرة من أمرهم، وليصدر قول قائدهم وقد أتى على كل ما يعلم، إذ الإخفاء سبب للجهل وهو طريق الهزيمة، هذا إن كان الأمر مجرد إخفاء فكيف يكون الحال ما لو خان وأظهر غير ما يبطن؟!
﴿يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا، قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم﴾ هكذا مرة أخرى تبدو عقبة الخوف من الموت، والجهل في قدر الله تعالى تعترض النفوس المريضة والعقول الجاهلية في تفسير الحدث والواقعة.