أنها تحكم بغير أحكام الإسلام وشريعته، لأنهم يعلمون أن هذا الوصف القرآني يعرّي كل نسبهم الباطلة، ويكشف زيفهم وبهتانهم.
الذين يمنعون هذا الاسم القرآني أن يعمل عمله لا يمنعون مصطلحاً فقط فيكون الخلاف لفظياً إنما الخلاف في حقيقته حول منهجين، منهج يحيي القرآن ليجعله سلاحاً في مقاومة الباطل، ومنهج يتصالح مع الباطل ويسبغ عليه شرعية القبول، ويزيل الحواجز العلمية والنفسية بين المسلم وبين واقعه، لأن المصطلحات ليست ألفاظاً لنقل المعاني فقط لكنها أكثر من ذلك فهي رسالة نفسية، ولذلك إن أول سبل الشيطان في تمرير باطله على أبينا آدم هو في تغييره الأسماء، إذ سمى له شجرة المعصية شجرة الخلد والملك الذي لا يبلى كما قال تعالى على لسانه ((هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى)) وبهذا سهل له إتيان الباطل لما كسر الحاجز النفسي بينه وبين المعصية، وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الناس سيشربون الخمر ويسمونها بغير اسمها، وهذا ما وقع، كما يغيرون اليوم اسم الزنا والربا والزندقة، كل هذا ليقطعوا الصلة بين الأمة وبين القرآن، لما يعلمون أثر هذا القرآن من خلال مصطلحاته على النفوس.
﴿يقولون هل لنا من الأمر من شيء، قل إن الأمر كلّه لله يخفون في أنفسهم مالا يبدون لك، يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا، قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم، وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور﴾
هذا الظن السيء بربنا هو الدافع لما قالوا ههنا، فهم ينازعون في الأمر ليكون لهم فيه شأن، والله يسلبهم هذا، ويقول إ k هذا الأمر كله لله، وهذا الأمر الذي ينازعوا فيه هو خروجهم للقتال، لأن عامة المنافقين كان رأيهم بعدم الخروج، ولكن كان الأمر قد استقر على الخروج، وقد جعل الله أمر الخروج بقدره لقوله ((إن الأمر كله لله))، وهذه صفة للمنافقين دوماً أنهم يعيبون عند المصائب أن الناس لم يأخذوا رأيهم ولا استمعوا لنصيحتهم، ليس لإصلاح الأمر وتقريب الحال لكن للتبكيت والقدح والثلب والتعيير وتخذيل النفوس، فهذا قولهم دوماً: لم تستمعوا لنصيحتنا فقتلتم، ولم تأخذوا برأينا فهزمتم، مع أن سبب الهزيمة ليس هذا، بل هو المعصية في عدم تنفيذ الأمر كما تقدم، والحق أن الأمر لو كان للمنافقين لباعوا دين الله تعالى من أجل حياتهم وشهواتهم وأهوائهم، ولفرطوا في قيم الإسلام وعزته، ولرضوا بالحياة الدنيا وتركوا الجهاد بالكلية، فالجهاد بأصله لا يحبونه، والإسلام الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدون تغييره ليرضى عنهم أعداء الله تعالى، فقولهم باطل لا حق فيه لكنهم يستغلون هذه الظروف الصعبة للطعن في المجاهدين وسب الجهاد في سبي g الله تعالى، وأما إن كانت الأخرى من النصر فسيزعمون أنهم هم من أعد الناس، وهم من مهدوا سبيله وأرسوا وسائله، هكذا ديدنهم في كل زمان ووقت، فما أشقى أمة الإسلام بهم من كذبة فجرة، فلهم ألسنة حداد طويلة يتقنون فن الهرب والزيغ والتلعب.
﴿قل إنّ الأمر كله لله﴾ هذا هو رد المؤمنين على هؤلاء، ((وقدر الله وما شاء فعل))، فهو الذي أخرجنا، وهو الذي رضي لنا في هذه الطريق، وهو الذي شرع لنا الجهاد، وما حصل إنما هو بتقصيرنا ولكن الأيام دول والعاقبة للمتقين.
إن الأمر القدري كله لله تعالى، فلا وجود لشيء إلا ما خلقه سبحانه وتعالى، ولا مشيئة لمخلوق إلا من بعد مشيئته، وإن الأمر الشرعي كله لله تعالى، فلا خيار للعبد مع أمر سيده، وكل منازعة لأمر من أوامره هي منازعة لربوبية الله