تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أن الجاهلية عدو لنفسها، منقضة لسنن الفطرة، فهي تحمل جرثومة هلاكها ودمارها، وهي عدو لله تعالى، يحاربها سبحانه وتعالى ومن يغالب الله تعالى يُغلب، فالمؤمن المجاهد يملك عوامل النصر الذاتي، ومعه عوامل الهزيمة في داخل صف أعدائه، فما عليه سوى اليقين على وعد الله تعالى والصبر على ما يلاقي في جهاده وبلائه، والإستعجال مرض يهلك ويفسد النتائج، فلكل أجل كتاب، ومن حكم القدماء- من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، فالفجر آت في ميعاده مهما طال الليل واشتدت ظلمته، ولكن الفجر لا ينفع العميان، إنما هو للمبصرين دون غيرهم، وهذا تاريخ البشرية يشهد أن الباقين في أرض المعركة هم الوارثون، وأما تاركو الصراع فهم على هامش التاريخ دوماً، والظنون الباطلة هي جهالات في الوعي، وجهالات في السنن، وجهالات في الشرع، وكذلك هي إنحرافات نفوس مريضة من حب الدنيا وقلة اليقين وعدم الصبر، ولذلك فإن الجهاد في سبيل الله تعالى هو خيار العقول الواعية والنفوس العالية، ولا يقدر عليه والثبات في مواطنه إلا من تحقق فيه هذه القيم وخاصة في زمن الضعف والمصائب والقروح، ولهذا يكون الجهاد يومها هو جهاد القلة القليلة، حيث يتصدون للأعداء قتالاً وللأحباب بياناً، فهم بين عدو يريد استئصالهم وحبيب يشفق عليهم ومخالف منصف ومخالف ظالم يتهم ويقذف، ولا ينفعهم في هذه المعركة إلا علم خاص ونفوس عالية.

﴿ظن الجاهلية﴾

هكذا هي الجاهلية في هذه الآية، جاهلية نفوس وقيم، جاهلية في تفسير التاريخ وأحداثه ووقائعه، والعرب قبل الإسلام لم يكونوا في مظاهر الحياة الدنيا وعلومها بأقل شأناً مما هو في الأمم الأخرى، فالجاهلية ليست في وسائل الإرادة الإنسانية من مادة وقوى، ولكنها في القيم والمفاهيم والمشاعر، فهذا هو الجهل الذي ينحدر به مستوى الإنسان فيكون جاهلياً، والجاهلية هي مقابل الإسلام، فكل دين غير الإسلام هو جاهلي، وكل قيم الوجود الإنساني غير قيم الإسلام هي جاهلية، وكل ميزان وقانون لتفسير التاريخ والحياة غير ميزان الأنبياء هو جاهلي، أي أن عمدته الجهل، هكذا هي عاريةً عن كل ما يسبغها عليها أصحابها من كلمات، أو يزينونها برتوش باطلة، ولذلك جعلها الله في هذه الآية مقابل الحق، فهناك ظن الحق وهناك غير الحق وهو ظن الجاهلية.

حين يسمي الله غير الإسلام جاهلية إنما يلغي الآخر، يلغي نسبته للعلم، ويلغي نسبته للحق، ويلحقه بأحط ما ينسب إليه فهم أو خلق أوسلوك، وهو الجهل، كما يسميه في آيات أخرى بالظلمات، وحين يسمى بهذا الاسم يعني أنه هواء لا قوام له، ولا دليل يدعمه، فالعقول إن لم تهتد بالشرع فهي جاهلية، والنفوس إن لم تربى بالإسلام فهي جاهلية، والعلوم إن لم تعبّد الإنسان لربه فهي جاهلية، فالجاهلية ليست مكاناً ولا زماناً بل هي قيم وقوانين ونفوس وإرادات وأفعال وأقوال، ولكن حين يحكم الزمان والمكان بقيم الجاهلية حينها يكون الزمان والمكان جاهلياً، لأن الإنسان فيهما يكون جاهلياً، والذين يريدون أن يعطلوا أعمال هذا الوصف على الأزمنة والأمكنة إنما يريدون حماية الجاهلية وخلط مفاهيمها بمفاهيم الإسلام، وإزالة الحواجز النفسية بينها وبين قيم الحق، وهذا دفاع عن الباطل الذي يشاركون في قيادته وتسييره والإنتساب إليه، وهم يسمعون قول الله هنا ((ظن الجاهلية)) ومع ذلك يرفضون تسمية أنظمتهم بالجاهلية مع

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ١٣٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ١٣٧