ووقوع المصيبة وقتل سبعين صحابياً منهم عمّ النبي صلى الله عليه وسلم أسد الله وأسد رسوله صلى الله عليه وسلم حمزة بن عبد المطلب.
هذه أمراض النفوس الموجبة للهزيمة:- حب الدنيا، والجهل في حكمة الأقدار، وهما مترابطان فإن الغفلة عن الآخرة وأجورها وميزانها تمنع المرء من تفسير القدر، فالناس منذ القديم يتساءلون لم يتألم الناس؟! ولم الأمراض؟! ولم الشر؟! ولم الجوع؟! وكل أجوبتهم باطلة إن غفلت عن الدار الآخرة، هذا إن أجابوا، وإلا فأغلب الفلاسفة يكفرون بحكمة الله تعالى وعزته، ولرحمة الله بالمؤمنين جعل لهم شيئاً يسيراً من الدنيا حتى لا يكفر الناس كما قال تعالى في سورة الزخرف:- ((ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة ومعارج عليها يظهرون، ولبيوتهم أبواباً وسرراً عليها يتكؤون، وزخرفاً وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا، والآخرة عند ربك للمتقين))، وسورة الزخرف في مجملها حديث عن هذا القانون، وهو أثر الترف على القلوب، والسنة الجارية في المترفين مع الحق، وحال من ينشأ في الحلية، وفساد أهل المتع الدنيوية وقانونهم الباطل في معرفة الحق، وكل هذا وغيره دليل أن غياب الدار الآخرة عن قلب الإنسان وعقله تعطل لديه إدراك الحكم الإلهية في الأقدار والتكوين، ولذلك فإن المؤمنون بالدار الآخرة هم الحامدون الشاكرون، إذ أن فهمهم لحكمة الله في الوقائع والأحداث توجب عليهم حمد الله سبحانه وتعالى، وهو الثناء عليه بما هو أهله، إذ ينسبون كل خير إليه، والشر ليس إليه، سبحانه وتعالى عما يقوله الظالمون.
إن الذين لا يرون في الجهاد إلا موت الأحبة وفراقهم، ولا يرون فيه إلا خراب الديار والأموال، فهؤلاء يظنون بالله غير الحق، ولذلك هم يستهزؤون بالمجاهدين ويتهمونهم بالطفولة الفكرية، ويقذفونهم بالجهل في السياسة الدولية، وكل همهم هو البحث عن الوسائل المهينة في رضا الجاهلية عنهم، ويسمونها بالوسائل الحضارية-زعموا- وهم لا يعنيهم أبداً قيم الإسلام العظمى، فالعزة لله ولرسوله وللمؤمنين لا يعرفونها إلا على إخوانهم، والحكمة والرقة مع الكافرين دون إخوانهم، وهم يلهثون العمر كله لتحقيق خطوة واحدة نحو أهدافهم فلا يحققونها، إذ ما من خطوة تعطى لهم تكرماً من الجاهلية إلا وتسلب منهم بعد ذلك مع الذلة والمهانة ودفع الضريبة الأشد، ضريبة لا تعدل ضريبة الجهاد في سبيل الله تعالى.
﴿يظنون بالله غير الحق﴾
فهم لا يؤمنون بنصر الله، فقد ملأت الجاهلية قلوبهم بالخوف منها، يرون قوتها لا تقهر، وسلطانها محيطاً بكل شيء، فإن خاطبهم المجاهدون بوعد الله ونصره استهزؤوا منهم، لأنهم لا يتخيلون أن مآل قوات وسلطان الجاهلية إلى بوار وذهاب، ولا يؤمنون أن قوة الله فوق قوتهم، وأن كل ما يرون هو كبيت العنكبوت كما قال تعالى ((مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون)).
إن عمدة الجهاد الأولى ولا يقوم إلا بها عند غلبة الجاهلية وتعاظم قوتها هو اليقين على نصر الله تعالى، وأنّ قوة الله تعالى فوق قوتهم ((أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة))، وأن كل ما يراه الناس من قوة في يد أعدائهم يرتد على المجاهدين بالسوء والشر، وبهذا الضعف تنشأ قيم التصالح مع الجاهلية ومهادنتها ومحاولة إرضائها، وهم ينسون