هذا أول المقال من أهل الضعف، وهذا أول قولهم بعد المعركة وقبل أن يفارقوا أرضها، ولقد حرموا النعاس الآمن بسبب الظنون، وهو مرض نفسي، دفعهم لأقوال جاهلية، إنما الباعث الأول ((أهمتهم أنفسهم)) إذ هو معيارهم في تقييم كل الوقائع والحوادث، إذ أن ((أنفسهم)) هي كل ما يعنيهم، فلا خير في الوجود إلا يأتي إليهم، والشر كل الشر هو ما يصيب أموالهم وأبدانهم وأهلهم، فشهادة الشهداء لا تعنيهم، وابتلاء الله للمؤمنين ليعلم صدقهم وإيمانهم ويرفع درجاتهم هذه لا تشغلهم، ومصالح الدين وقيمه وإقامة الحجة على الخلق قد تعتبر لكن بما لا يضر دنياهم، وهؤلاء يكون شرهم أشد ومقالتهم تجد سامعين ومصغين حين يأتون بهذه المعايير تحت اسم الدين، ويحاججون بها المجاهدين تحت باب المصلحة الشرعية، فالمجاهدون يتحدثون عن إقامة الحجة على الخلق، ويفتحون للناس باب الشهادة في سبيل الله تعالى، ويحاجون المخالفين في المآلات الأخروية، والمقاصد الدينية، وهؤلاء ينعون على المجاهدين أنهم يفسدون دنياهم، ويعطلون مصالحهم وأهواءهم، ويرمون المجاهدين بتمهة قتل المسلمين لأنهم يوردونهم موارد الشهادة، ويقذفونهم أنهم سبب سجن الشباب وابتلاء الأحبة، ومحبو الدنيا يصغون لهم ويرددون تهمتهم، وتجد لديهم القلوب والآذان، وهذا الحال قد وصفه الله تعالى في سورة النساء بقولهم ((وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك)) أي أن جهادك للكافرين هو سبب ما يأتينا من البلاء والمحن، فهي عندهم سيئات على دنياهم، والجهاد في سبيل الله تعالى له ضريبة ولا شك من الشهداء والسجناء وذهاب الدنيا، ولذلك قد ضربت بساتين وحدائق الأصحاب في المدينة، وقد حدثوا أنفسهم بترك الجهاد لأن الله نصر دينه وهو ناصر، فليعودوا إلى أموالهم ليصلحوها، فحذرهم رب العزة من ذلك وقال لهم ((وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)) فليست التهكلة هي فساد ما يرون من دنياهم إنما التهلكة بترك الجهاد، وقد هلكت أموالهم في الإبتداء ثم آل أمرهم أن ملكوا الدنيا وخضعت لهم الأرض ودان لهم ملوكها، وحين يترك المسلمون الجهاد ويفرغوا لدنياهم فإن دنياهم ستؤول إلى الكافرين كما وقع في التاريخ وكما يقع الآن.
﴿وقد أهمتهم أنفسهم﴾ هذا عيب في إيمان الرجل، وضعف في يقينه حين ينشغل لهموم نفسه وحاله ودنياه، وكلما زاد إيمان المرء ويقينه غابت نفسه عنه، فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يوجب على المسلمين أن يبعثوا جيش أسامة رضي الله عنه حتى لو أخذت الكلاب بأرجل نساء النبي صلى الله عليه وسلم، ونساء النبي منهن ابنته عائشة رضي الله عنها، وهو ينسى هذا ولا يقيم لنفسه شأناً إنما همه دين الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
﴿ويظنون بالله غير الحق﴾
وهكذا يشكون في جدوى الجهاد ومصادمة الكفار، فهم لا يرون وعده بالنصر لأنه تخلف بسبب أعمالهم، ولا يرون حكمة شرعه لأنهم يجهلون مآلات هذا الشرع، والله سبحانه وتعالى عند حسن ظن العبد به، وقال سبحانه وتعالى في الحديث القدسي ((فليظن عبدي ما شاء))، وهذا شأن الجاهليين في كل وقت، إن وقع بهم بلاء نظروا إلى السماء متسائلين: لم هذا؟ ولا ينظرون إلى أنفسهم وإلى الأمة، والكثير منهم يستصغر المعاصي الكبار ولا يراها شيئاً، وقد رأينا في هذه الغزوة أن مخالفة الصحابة رضي الله عنهم لأمر واحد من قائدهم كان عاقبته ما كان من فوات النصر