حتى لا تصيبهم سيوف قريش الكافرة، وهم يرون أحبتهم قد صرعوا في الوادي أمامهم، وقد اثقلت أجسامهم بالجراح، والشر ما زال ماثلاً أمامهم يريد أن يأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين أيدهم، وأمام كل هذا يأتيهم النعاس حتى وصفه أحدهم رضي الله عنهم بأن السيف كان يسقط من يده لغلبة النعاس عليه.
في إنزال هذا الجندي اللطيف على جنود الله في موطنين، موطن الاعداد للنصر في بدر، وموطن ما بعد القرح في أحد، يدل على أن هذا الموطن الثاني هو إعداد لمعركة قادمة ونصر آت، وأن الجندي مازال في المعركة لم يغادرها، ويدل على أن العطاء الإلهي لا يكون في موطن النصر وحده، ولكن يكون في موطن القرح كذلك، لأن العبرة إنما هي في تحصيل الجنود لحبّ الله تعالى ورضاه وامتثال أوامره، ولذلك نزل هذا الجندي اللطيف بعد غزوة أحد على بعض الجند لا كلهم، لأن الآخرين ظنوا في الله غير الحق من سؤالهم: أين وعد الله؟ ولماذا حصل هذا، وقالوا ما قالوا مما قاله القرآن.
لقد سكت القرآن في هذه الآية عن وصف الذين غشيهم النعاس وفصّل في حال الذين أخطأهم النعاس ولم يقع عليهم، لأن هؤلاء هم الذين يريد الله سبحانه وتعالى أن يعرفنا بأوصافهم تنبيهاً وترهيباً من الوقوع فيما وقعوا فيه، ولأن هؤلاء هم سبب هذه النتيجة في المعركة، والسياق في هذا من قوله ((ولقد صدقكم ... )) إنما هو لبيان سبب الهزيمة كما تقدم، ولكشف الأسباب العملية الظاهرة والأسباب النفسية الباطنة لوقوع المصيبة والهزيمة.
هذا النعاس الذي يطمئن أصحابه أنهم في أمان فلا يجزعون ولا يقلقون هو مقابل الهم حول المصير الآتي، فقوله"أمنة نعاساً" هي ضد"أهمتهم أنفسهم"، فالذين ينشغلون بما يقع لهم من فوات الدنيا أو جروح البدن هؤلاء أبعد عن الأمان، والذين يظنون بالله الحق وينشغلون بذنوب أنفسهم ويغض مضاجعهم همّ الدين والرسول صلى الله عليه وسلم هم الذين يستحقون النعاس الآمن.
وقد يسأل سائل ما الحكمة في تقديم النعاس على الأمن في سورة الأنفال في موقعة بدر ((إذ يغشيكم النعاس أمنة منه)) وأما في آل عمران في أحد فقدم الأمنة على النعاس فقال ((ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً)) هذا مع قول أهل التفسير إن النعاس هو الأمان، فالسبب في هذا والله أعلم أن حاجة المصاب المقروح إلى الأمان أشد من حالة من وقف في الصف يخاف نتيجة ما هو آت في المعركة، فذكر الأمان مقدماً في أحد لشدة حاجة الصحابة إليه من حاجتهم إليه في صفهم مقابل قريش في بدر قبل المعركة، فكان التقديم به لذلك، والأمان في أحد هو لعلاج الغم والغم الآخر، وأما الأمان في بدر فهو إعداد لما هو آت من المعركة.
قال سيبويه في كتابه ((كأنهم يقدمون الذي بيانه أهم وهم ببيانه أعنى)).
﴿وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظنّ الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم مالا يبدون لك، يقولون لو كان لنا من الأمر شيئ ما قتلنا ههنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور﴾