تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أي غماً على غم، فأما الغم الثاني فهو المصاب الذي وقع بكم من تسليط عدوكم عليكم، وأما الغم الأول فهو ما تحدث به البعض من قتل النبي صلى الله عليه وسلم، وقد سمّى الله ما وقع بهم ثواباً لأنه وقع بسبب فعلهم، فالثواب هو العوض، ولكن تسميته ثواباً هو من قبيل الفضل الإلهي عليهم لأن ما يصيب المؤمن الغم والهم والحزن إنما يكفر الله به عنه سيئاته ويثيبه عليه ويرفع به درجته في الآخرة، فلذلك كان الغم ثواباً من الله تعالى، وقيل إن الغم الأول هو ما فاتهم من الغنيمة والغم الثاني هو إشراف قريش عليهم من فوقهم، وكل ذلك محتمل لإطلاق لفظ الغم وعدم تقييده.

﴿لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم﴾

وهكذا يكون الثواب الذي وقع في نفوسهم ليدفع الله تعالى عنهم الحزن على فوات الغنيمة ووقوع المصاب بهم من القتل والجروح.

والآية تفيد أن الغم علاج للحزن، إذ دفع الله عنهم الحزن الذي وقع بوجود أسبابه بالغم وهو الإنشغال بالنفس وهمومها عن فوات المحبوب، فإن المصاب أو بالظن أن هناك مصاباً كبيراً كالحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل قد شغلهم عن فوات الغنائم وحصول الهزيمة، وهذا من رحمة الله تعالى، وهذه على القاعدة إذا كثرت الهموم تساقطت.

﴿والله خبير بما تعملون﴾

وهذا من تمام ربوبيته على خلقه سبحانه وتعالى، حيث لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، فهو خبير بهم وبأعمالهم، وهذا يوجب علمه سبحانه وتعالى، فما يوقع الله سبحانه وتعالى في المسلمين من أحادث وأمور إنما مبعثه خبرة الله تعالى وعلمه وحكمته بهم، إذ أنه يمحصهم ويختبرهم ويبتليهم ليظهر تمام حكمته جل في علاه.

﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً يغشى طائفة منكم، وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظنّ الجاهلية﴾

هكذا جازاهم بالغم ثم عالج غمهم هذا بالنعاس ليقع الأمان في قلوبهم، ويمضي القرآن وهو يفصِّل فعل الله في نفوس جنوده، فيعطيهم من الأدوات الباطنية ما يحقق اعدادهم.

وههنا مرة أخرى يظهر جندي النعاس، هذا الجندي الإلهي يأتي على قدره، جاء في غزوة بدر بما فصلنا هناك في سورة الأنفال، حيث جاء قبل المعركة ليلقي الإطمئنان في قلوب الصحابة رضي الله عنهم، لقد جاءهم هناك بعد أن استغاثوا استغاثة الغريق، قال ((إذ يغشيكم النعاس أمنة منه))، وههنا جاء النعاس بعد المصاب حيث وقع بهم غم على غم، فأنزل الله النعاس أمنة على طائفة منهم، وهم الطائفة الذين يظنون بالله ظن الحق، فهم صدقوا وعده بالنصر، ورأوا ما يحبون ثم علموا أن هذا الذي رأوه قد انفلت من بين أيديهم بعيداً عن عيونهم بسبب المعصية التي وقعت، فنسبوا لأنفسهم التقصير وظنوا بها الغلط والإثم، ونسبوا لله صدق الوعد والحق، فجاء الجزاء بهذا النعاس ليلقي عليهم ظلاً من الأمن، وهذا من إكرام الله لهم، إذ كيف يقع النعاس على قوم قد رأوا الموت بأم أعينهم، وذهبوا في أصعاد

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ١٣٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ١٣٣