تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

للفاعلين أنهم أحبابه وجنده وعبيده، فصار أهل الفعل يروونه بحب ورضا وفرح، فأين هذا من فعل المنافقين وكاشفي العورات والطاعنين في المجاهدين وتاريخهم ورجالهم؟!

هذا التوثيق القرآني يدل على أهمية هذا الفعل، وضرورته للبشرية، وخاصة المؤمنين، فإن الحوادث هي ملك للمسلمين، فالآباء يروون للأحفاد والأبناء السير للعبرة وتسجيل المواقف، ومن تأمل سورة التوبة رأى فيها التوثيق للأفعال والأقوال بصورة تفصيلية حتى لا يبقى للناس ريبة في المواقف والمراتب، فعرف الناس المؤمنين والمنافقين على صورة الوضوح لا تخفى على أحد، هذا ما يجب على المسلمين سلوكه وتسجيله ليكون على أساسه تحديد مراتب الناس وحقيقة مواقفهم وأغراضهم.

﴿والرسول يدعوكم في أخراكم﴾

لقد ذهب الكثير في الوديان والشُّعب حتى وصل بعضهم للمدينة، وثبتت القلة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصارت ههنا مواقف إيمانية رائعة سجلها القرآن في قوله تعالى ((من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً))، ولكن ههنا كان وصف الذاهبين، وقد كان موقف النبي صلى الله عليه وسلم هو موقف الصادق الذي جاء بالحق وصدّق به-، إذ هو في أخراهم، أي هو ثابت في الصف، لم يمضي مع الماضين، بل يدعوهم إلى العودة والثبات إلى مواقعهم وعدم الذهاب، وهو موقف القائد الذي لا يترك أرض المعركة حتى يتحقق المراد، وهو موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم دوماً بأبي هو وأمي، إذ أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يجتمعون به إذا اشتد البأس وحمي الوطيس، وقد رأى الناس ثبات قلبه وشجاعته في حنين، حيث وقف موقفاً لا يقدر عليه أحد من الناس قط، وهو قدوة لأمته في ذلك، وهذه من سننه المهجورة اليوم، ولنتذكر أن أجلى آيتين يحتج بهما الناس في وجوب اتباع سنته إنما كانتا في مواطن الجهاد والقتال في سبيل الله تعالى أولاهما تقدمت في سورة الحشر- وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا- والأخرى في سورة الأحزاب في قوله تعالى ((لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً)) هذا ليعلم دعاة السنة وحملة الشريعة ومحبو رسول الله صلى الله عليه وسلم أين هي مواطن الإقتداء الحقيقية، وما هي حياة النبي صلى الله عليه وسلم التي عاش عمره فيها، ولا أريد أن أقلل من سنته في أمور الحياة الأخرى ولكن ههنا الأصل وغيره الفرع، وهذه هي الحياة وغيرها إنما هو تبع لها.

لقد اختار الناس من السنة ما يحبون، وما يحقق لهم المنافع، ورفعوا شعارات عظيمة في إحياء السنن لكنهم لم يدركوا حياته الحقيقية، ولم يقرؤوا سيرته في كتاب الله تعالى، فإن سورة محمد هي سورة القتال، لأن حياة محمد صلى الله عليه وسلم هي القتال والجهاد في سبيل الله، وههنا موقف وسنة للحبيب، فهو رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو كل من ترك الجهاد أن يعود إليه، لأن الذاهبين عنه مخالفون لسنته، ودعوته هذه دائمة متصلة متجددة إلى قيام الساعة.

﴿فأثابكم غماً بغم﴾

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ١٣٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ١٣٢