تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

السلام بعد نبوته فقال له ((وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين))، يذكره بما وقع منه من قتل القبطي قبل فراره إلى مدين عند الرجل الصالح، فالأرشيف عمل لابدّ منه في أبواب كثيرة تنفع الحياة والناس والمؤمنين، لكنه سبيل المجرمين حيث يتخذونه صداً عن سبيل الله تعالى، وفضحاً للمؤمنين وكشفاً لعوراتهم.

لقد جاء رجل إلى ابن عمر رضي الله عنهما يسأله عن عثمان رضي الله عنه، وكان مما ذكره فيه ليطعن في دينه أنه فرّ يوم أحد، فرد عليه ابن عمر إن الله قد غفر هذا له، وهذا السائل لم يجد إلا ثلاث حوادث في حياة عثمان يستدل بها على مزاعمه في الخليفة الراشد، إحداها تخلفه عن بدر، وهذه منقبة له لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو من أمره بالبقاء عند زوجته وهي ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنها كانت حاملاً وفي حالة وضع، والثانية هي عدم حضوره لبيعة الرضوان، وهي منقبة أخرى له لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو من أرسله لقريش من أجل أن يفاوضها إذ لم يكن أحد في أصحابه أعز مكاناً من عثمان في قريش، وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم يده على الأخرى وقال:- هذه لعثمان، وهذا ما رد به ابن عمر رضي الله عنهما على ما سأله السائل، وهكذا فإن البعض يكذب حين يختزل تاريخ الناس في حادثة واحدة، فيأخذها ليبلع تاريخ الرجل كله في هذه الحادثة، ويقدمها كاذباً مخادعاً على صورة التأريخ والنصح، وهو في واقع الأمر مخذل كاذب يريد ردّ الحق في هذا الشخص من خلال خطأ وقع فيه، أو من خلال أحداث هي على وجه الحق ولكن يؤولها على وجه من وجوه الباطل.

إن القرآن لم يسمِّ الهاربين من أرض المعركة بل أطلق وعمم الفعل كما تقدم في الآية السابقة وكذلك ههنا ((إذ تصعدون)) وهذا أدب قرآني لأن مراده الإصلاح والرحمة والرفق، لا التشهير والتعيير والتخذيل كما يفعل المنافقون وأصحاب الأهواء ومقاصد الشر في المجاهدين.

الأرشيف والتأريخ سلاح خطير، وهو من أشد أسلحة المنافقين والأعداء، لأنه ما من امرئ إلا وله تاريخ، وكل ابن آدم خطاء، وعمدة قوة المجاهدين هو طهرهم ونقاوتهم لكنهم ليسوا ملائكة، وهم كذلك محط أنظار الناس، محبيهم وخصومهم، فيجب الحذر لقوله تعالى ((خذوا حذركم)) وهو واجب على القادة وواجب على الأتباع، وتفويت مقاصد المنافقين والكفار في استخدام الأرشيف هو الرد بالحق ما أمكن إلا بأن يكون في ذلك ضرر، فإن موسى عليه السلام قال لفرعون ((فعلتها إذاً وأنا من الضالين)) ولم ينكرها لأنها حق وواقع، ولم يدافع عنها، وأما الأتباع فإن الله عاب على السماعين للمنافقين والكافرين بقوله ((وفيكم سماعون لهم))، وفي سورة النور الهدى والحق في تعامل المؤمنين مع إشاعات الباطل والكذب.

ههنا القرآن يوثق الحدث مع ألمه على المؤمنين، ولذلك لم ير الصحابة في هذا الكشف عاراً عليهم لأن القرآن ذكر الحدث وذكر حبه لأصحابه وغفرانه لهم ووصفهم بالإيمان، ولذلك لما قال سبحانه وتعالى ((إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما)) قال جابر رضي الله عنه: فينا نزلت ((إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما)) قال: نحن الطائفتان بنو حارثة وبنو سلمة وما نحب أنها لم تنزل فينا لقول الله ((والله وليهما))، فالخطاب القرآني مع توثيقه لما اقترفه المؤمنون من الغلط، وهو لا يحبه الناس لما في ذلك من كشف أخطائهم إلا أنه ألقى على هذا التوثيق صفة المدح

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ١٣١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ١٣١