لقد رفع عنهم الوزر الذي ينقض نفوسهم وظهورهم، فالموتى شهداء عند ربهم، والأحياء مغفور لهم، وأما المنافقون فلهم موعد من الخطاب والعذاب، وتجري الحياة بأن يدفعهم الله إلى الوقوف مرة أخرى بلا ذنب ولا معصية بل أطهار برءاء، قد غسلت نفوسهم، وحصلت العبرة، وترسخت التجربة، فإلى موقع جديد ومتقدم لأنكم الأكثر إيماناً والأصلب تجربة والأكثر إندفاعاً.
لا تثريب عليكم لأنكم جندي وأحبابي، أعاقبكم في الدنيا بالألم والجروح وأخذ الأحباب، لكنها معاقبة المريض ليشفى لا معاقبة العدو ليستأصل ويغنى، وهكذا يكون خطاب الشفيق على المؤمنين، والذي يجب لهم الخير والثبات على الطريق ومعاودة الفعل مرة بعد مرة على وجه أكثر صواباً وأقل أخطاءاً.
لقد كانت هذه الآية صلة طويلة وعجيبة، حيث ابتدأت بالوعد، "ولقد صدقكم الله وعده" فسار الأمر حسب الوعد وقتاً رأى الناس فيه ما يحبون من بشائر النصر والظهور على الأعداء ثم كان ما كان من التخاذل والتهاون والتنازع والخصومة والمعصية بترك أمر القائد، فانقلبت المعركة إلى وجهة أخرى بعد أن صرفت سيوفكم عن رقابهم ووقع فيكم البلاء والإمتحان، فاهتزت النفوس وأظهرت ما فيها من إيمان في قوم ونفاق في آخرين، وكان خاتمة المشهد لهذا كله العفو الإلهي عن المؤمنين.
لقد ابتدأت الرحلة بالوعد الصادق وختمت بالعفو واسباغ صفة الإيمان عليهم.
((والله ذو فضل على المؤمنين)) إنه فضل منكر لأنه فضل واسع عميم لا يمكن إحصاؤه منا، فهو ذو فضل عليهم حين أمرهم بالجهاد، وهو ذو فضل عليهم إن انتصروا، وهو ذو فضل عليهم حين القروح والهزيمة، وهو ذو فضل عليهم في كل آن ووقت، لأنهم أهله والمستحقون له.
﴿إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غماً بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون﴾
بعد أن تم العفو جاء وصف الفعل الذي أصابهم لما عصوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ,صف يصور حال المسلمين حين يذهب عنهم ستر الله ونصره، فيكونون في عراء الهزيمة، فلا تملك النفوس أمرها، فتطيش عنها نداءات الهدى والخير، لأن النفوس مشغولة بنفسها لما وقع عليها من هول المقام والمصاب، فها هم يذهبون في الوديان دون التفات خلفهم، ودون اهتمام بغير مصابهم، ودون استماع لنداء قائدهم، وهي حالة أصابت الشجعان والمؤمنين، لا أناس من عرض الطريق وبنياته، ذلك ليعلم أهل القرآن أن الإيمان يقع في مضايق الحق، ويجري على أصحابه ما يجري على الناس من الذهول عند المصائب، ولكن العاقبة هي الرجوع والإنابة كما قال تعالى ((إنّ الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون)) والناس في هذا الباب لا يعيب عليهم إلا جاهل ولا يثرب عليهم إلا مفرط، لأنهم آبوا بعد غفلة، وكروا بعد فرار، ورجعوا بعد نكوص، ولذلك تاب الله عليهم، وأما أولئك الذين يحبون تأليب ذنوب المؤمنين وأخطائهم ليشهروها في وجوههم عند كل فعل وحادثة وموقف فإمامهم هو فرعون لا غير حيث هو من فتح أرشيف موسى وقد جاء يدعوه إلى الحق، ليجعل هذا الأرشيف سبباً لرد الحق الذي جاء به موسى عليه