تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي الآية كنّى الله عن النصر بقوله ((من بعد ما أراكم ما تحبون)) ولم يقل النّصر، لأن الكناية تستخدم لنكت علمية منها بيان حال الموصوف أو مقدار حاله، ذلك لأنهم رأوا مقدمات النصر من قتل المشركين وفرارهم من أرض المعركة، ولم يقع النصر التام، فلو ذكر النصر لكان النصر واقعاً وليس كذلك، إنما رأوا مقدماته وبشائره ولم يروه كله، فلذلك كنى الله عنه بما قال سبحانه وتعالى، ولما ذلك من فائدة أخرى تقدم ذكرها.

﴿ثمّ صرفكم عنهم ليبتليكم﴾

هذا الخطاب من رأفة الله ورحمته بجنوده، إذ نسب صرف القتل عن المشركين له سبحانه وتعالى، فكان أن توقف القتل في المشركين وصار القتل في المسلمين وذلك ((ليبتليكم))، وهذا دليل أن الرب سبحانه وتعالى لا يفعل فعلاً إلا بسبب من الخلق، مؤمنهم وكافرهم، وهذا الإبتلاء في هذا الموطن قصده أن يحصل التميز بين المؤمنين والمنافقين، وهكذا في أوقات المحن والشدائد تظهر الناس على حقائقهم، وتبين عن مكنونات نفوسهم، بخلاف النصر فإن الكل يدعيه، والمنتصر يقبل الجميع إليه، ولذلك من حكم الله تعالى في حصول البلاء والقروح في المؤمنين، وهو وقت ثمين عند أهل الصدق، إذ هو فرصتهم لإظهار صدقهم وإيمانهم وثباتهم على دينهم، وهو وقت تعظم فيه الأجور وتتضاعف كما قال تعالى ((لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل، أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا)) ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: "العبادة في الهرج كهجرة إلي".

هكذا يجعل الله القتل في المؤمنين أمراً قدرياً منه سبحانه وتعالى، إذ فيه مراده- مع عدم حب المؤمنين له- ومراده في هذا أن يرى صدق المؤمنين وثباتهم ولجوئهم إليه، ويكشف المنافقين فتسقط حججهم وأكاذيبيهم وتبين عورات قلوبهم، وهو أمر له تعلق خالص بالغيب ودخول الجنة ودخول النار، فإن تم هذا كان له تعلق بالمآل في تصفية الصف المؤمن وحصول البركة لهم بأخذ الشهداء منهم وغرور الكافرين ليقع التدافع على ما قدره الله تعالى في الخلق.

وتأمل كيف وصف البلاء الواقع على المؤمنين بقوله ((ثمّ صرفكم عنهم))، ولم يقل غيرها من صيغ فعل الكافرين بالمؤمنين من القتل والجراح إذ في ذلك تنبيه أن مجرد صرف المؤمن عن الكافر بالقتل والإفناء هو قتل وذبح للمؤمنين، فهذه هي القاعدة أنه بمجرد أن يتوقف سيف المسلمين عن العمل يعني قدراً أن يبدأ سيف الكافرين عمله في المؤمنين، وهذا يؤكد أمره سبحانه وتعالى بعدم التهاون والفشل والتخاذل من ملاحقة الكافرين في كل وقت وحين، وهو رد على دعاة الحكمة المزعومة الظانين أنه يمكن أن ينشأ سلام مطلق بين المؤمنين والكافرين، فهذه أوهام لا وجود لها إلا في عقول الجهلة أو الجبناء كما قال سبحانه وتعالى ((ودوا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة)).

﴿ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين﴾

هذا هو تعامل الرب مع جنوده، وتعامل الرحيم مع أوليائه إن أخطأوا، وهو يأمر نبيه وأتباع نبيه بهذا حين يقول في سورة الأنعام ((وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل lk;l سوءاً بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فانه غفور رحيم))

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ١٢٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ١٢٩