إن كل دعاة التخذيل والإستسلام والرضوخ للطواغيت ولما يفرضه من الأمر الواقع إنما مبعثهم أنهم لا يؤمنون بالآخرة، وإن آمنوا بها فهي بعيدة عن الحب والتعلق، وبعضهم من المجرمين من يعلن أن المجاهدين يعيشون ثقافة الموت وهم أصحاب ثقافة الحياة الدنيا، وقد صدقوا، لكنها الحياة الدنيا التي يرتضيها الذليل والخسيس، لأن يرضى بالدنيا وببعض متاعها وقد انتهك دينه وعرضه وشرفه وكرامته، وأما المجاهدون فإنهم يحبون الموت حين يكون الموت طريقاً لأفراح المؤمنين وبلوغ الشهادة، ويكون شقاءً وعذاباً للطواغيت وأعوانهم، فالموت حينها هو ثقافة الحياة لأمة الإسلام التي تعيش مع دينها وكرامتها وحفاظة عرضها.
ومما يتخفون وراءه حتى لا تنكشف عيوبهم من حب الدنيا وكراهية الموت وعدم حب لقاء الله تعالى والدار الآخرة حين يجهدون في وضع وسائل جاهلية مقابل الجهاد في سبيل الله تعالى أن الأمة غير مستعدة للجهاد والشهادة وقد كذبوا، فإن الواقع أنهم هم من جبن وتخاذل عن قيادة الأمة للجهاد في سبيل الله، لأننا نرى أن من هدى الله قلبه ووضع نفسه داعياً للجهاد، وأخذ بيد الأمة إليه، وسار أمامهم أن رفع الله شأنه، واستجاب له الناس، وحصل من جهاده الخير العظيم، وإن أعظم الشرور الحاصلة في وقتنا إنما هي بسبب هؤلاء المخذلين الذين يطعنون في الجهاد وأهله ويرمونهم بقلة العقل والنظر، ويتهمونهم أنهم يعملون ضد مصالح الأمة.
إن أصحاب الشهوات والشبهات عراة في كتاب الله، لأن حقائقهم مكشوفة، ودوافعهم مفضوحة، فهم سفهاء، جهلة، مفسدون، يحبون الدنيا ولا يحبون لقاء الله تعالى.
في هذه الآية عممّ الله الأعمال- فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم- وخصص الباعث- منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة- لأن الأعمال وإن كانت خاصة بالبعض دون الآخرين إلا أن آثارها عامة على المجموع، فإن فشل البعض وتنازعهم ومعصيتهم قد جرت البلاء على الجميع، حتى أصابت قائدهم المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولكن الباعث إنما عيبه على أصحابه دون غيرهم، ثمّ إن في ذلك التعميم تأديب قرآني للمؤمنين أن لا يثربوا على من ترك الأمر وسارع لجمع الغنيمة، ولذلك نسب الفعل لهم كلهم، فلا يقول أحد لأحد أنت المراد وأنت سبب الفشل والهزيمة، ولكن قضايا الثبات أمر غيبي لا يقوى أحد على اتهام غيره به إلا على وجه التخمين، وهو ظلم ولا شك، مع أنه يمكن لأهل الأصول أن يقولوا إن هذا من أساليب القرآن في لفظ العموم، حيث يقصد به البعض كقوله تعالى ((الذين قال لهم الناس)) والناس ههنا هو رجل واحد، وقد شرح هذا الإمام الشافعي في الرسالة وأخذه الناس عنه في كتب الأصول، وسموه العام المراد به الخصوص، وهو غير العام المخصوص، لكن هذه المغايرة هنا بين التعميم في الفعل والتخصيص في الباعث لابدّ أن لها وجهاً بيانياً وفائدة.
ثم كان الفعل بصيغة الماضي– فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم- وأما الباعث فجاء بصيغة المضارع ((منكم من يريد الدنيا، ومنكم من يريد الآخرة)) وذلك أن المضارع يفيد التكرار فيقع مرة بعد مرة، وأما الماضي فيفيد الحصول والإنتهاء وهذا تنبيه أن الباعث مازال موجوداً، وهو إرشاد لهم بتقويمه وإصلاحه والإعراض عنه إن كان إرادة الدنيا، واما إن كان إرادة الآخرة فالثبات عليه ولزومه.