تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه هي الدنيا وحبها منشأ كل الآثام والمعاصي والهزائم، لأن الصراع بين الإيمان بالغيب الذي يمثل أرقى حالة إنسانية واعية، وبين حب الدنيا الذي يمثل البهيمية في أحط صورها، فالإيمان بالغيب هو انتصار للعقل والوعي، وهو ارتفاع إلى عالم القيم مقابل عالم الشهوة والهوى، فالقيم في حدودها الدنيا من العدل وفي حدودها العليا من الإحسان لا يمكن أن تحقق في الإنسان إلا من مبعث ودافع وحيد وهو الإيمان بالغيب، والإيمان بالغيب وإن كان منشؤه هو العقل ومداركه ولكن لا يمكن لهذا الإيمان أن يعمل آثاره ويحققها إلا إذا صار هذا الإيمان حباً يتعلق القلب به، وبهذا الحب تنشأ الإرادات التي تعمل عملها في أعمال الطاعات وترك المعاصي، هذا هو حال الحب الحقيقي لا عوارض النفس التي يسرع إليها الفساد والتغير والانقلاب.

يحاول الناس دوماً إلباس معاصيهم العلمية والعملية لباس العقل والفكر، والقرآن يعري ذلك كله، لأن الواقع أن هذا من الخداع والتعزير، فإن كل المعاصي سببها حب الدنيا، وإن أعظم ما ترتكبه الأمة في حياتها بعد ترك تحكيم الشريعة هو ترك الجهاد في سبيل الله تعالى، ونار الجهاد فتنته شديدة على النفوس التي رضيت بالحياة الدنيا واطمأنت بها، ولذلك إن السبب الحقيقي لترك الجهاد إنما هو حب الدنيا، لأن الجهاد بكل ما فيه يمثل خيار الآخرة والرغبة وفيها، ولا يكون الجهاد إلا للزاهدين في الدنيا، حيث هي عندهم ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالما أو متعلماً، فأولئك هم الذين يحبون الجهاد ويعملون له ويسلكون سبيله، ولقد قرأت في حجج المثبطين عن الجهاد، والملقين ألبسة الفكر والمصلحة والنظر، فما رأيت إلا حجة واحدة، هي حب الدنيا والخوف من الشهادة والموت في سبيله، والشفقة على الملأ والمترفين، والرعب من السجون والبلاء في سبيل الله تعالى، فهذه هي حقيقة حججهم حين المحيص والبحث والتنقيب، لكنهم يلبسونها دوماً ألبسة الفقه، فيأخذون قاعدة من هنا وقاعدة من هناك، ويحتجون بآيات خارج معانيها، وأحاديث على غير مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يخرجون بعد ذلك بخلطة مشينة لا تمت إلى الفقه بصلة، ولا إلى دين الله تعالى بشيء ليقولوا بعد ذلك إن الجهاد مفسدة، والرضوخ إلى الطواغيت والكفر هو عين العقل والفقه والمصلحة، ومداراة الجاهلية طمعاً في بعض المنافع هو دين الله تعالى، ومن أكاذيبهم أن هذا يحقق مصلحة الأمة، ويحقق مصلحة دين الله تعالى، وهو عين الإفتراء، لأن الواقع إنما هو تحقيق مصالحهم، واجتناء الشهوات لهم ولإخوانهم وعائلاتهم، ومفسدة لدين الأمة ومصالحها.

إن القرآن في هذا الموطن وفي مواطن كثيرة يعري دعاة الرذيلة والتخاذل، فيكشف سوءاتهم حين يتخفون وراء العقل المتميز والفكر الثاقب والنظر السديد، فيرفع الستارة عن بواطنهم فتبدوا بهيمة الرغبة، حيوانية الإرادة، فلا عقل ولا فكر ولا نظر، إنما هي الشهوات التي تحركهم، إذ هم كالأنعام بل أضل سبيلاً، فانظر إلى قوله تعالى ((وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس، قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يشعرون))، وهذه سنة مضطردة في أهل المعاصي من الإستهزاء بالمؤمنين، لأنهم يزعمون أنهم أهل العقل والنظر كما قال الله عنهم ((وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه، وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم))، وأشباه هؤلاء اليوم حين يستهزؤون بالمجاهدين وهم يتدافعون للموت في سبيل الله تعالى، ويزعمون أنهم أهل السياسة والكياسة والنظر، والحقيقة أن الوهن قد ضرب قلوبهم، فلا فكر ولا عقل ولا نظر، إنما هي الدنيا وحبها من غير نظر إلى الآخرة ولقاء الله وبلوغ الجنان.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ١٢٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ١٢٧