أن عمله باعثه إرادة الخير، أو الفكر والنظر، لأن الكثير من الشهوات والإرادات إنما تتخفى بهذا اللباس، وتتزيا بصورة الفعل والوعي وإرادة الخير، وباطن الأمر أنها الدنيا، وحبها والشهوة في إصابتها وتكثيرها، وكشف القرآن لهذه الحقيقة وهو أن البداية كانت في الضعف والتهاون في تحقيق الأهداف حتى نهايتها الواضحة الجلية dgyd أي دعوى يتخفى تحتها أصحابها ليبرروا تقصيرهم وتهاونهم.
وقد سماها الله "معصية" بإطلاق، فهي مخالفة قد إرتكبت ترتب عليها الوزر في الآخرة –وقد عفا عنهم- وترتب عليها الهزيمة في الدنيا، وهذا يدل أن سنن الدنيا لا تتخلف إن وجدت أسبابها وانتفت موانعها حتى لو لم يكن الإثم، إذ شرط الإثم القصد، فقد عفا الله عن الخطأ والنسيان والإكراه، ولكن آثار الفعل في الدنيا لا ترتبط بالإثم، وذلك كمن شرب خمراً ظانّه عصيراً حلالاً فإنه وإن لم يأثم سيسكر ولا شك، ولذلك فإن سنن الله تعالى القدرية لا تتخلف حتى وإن تخلف الإثم والعقوبة الأخروية وهذا واضح في قوله تعالى ((فلن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً))، فالسنن لا تتخلف حتى لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما يقع من المعجزة ولا للصالحين إلا بالكرامة، وهذا استثناء على خلاف القاعدة، وهذه السنة التكوينية تعلم بالنص والنظر، والناس لا يدركون أهدافهم إلا بالتعامل مع هذه السنة واحترامها وسلوك المقاصد من خلالها، ومن يقف أمامها تطحنه وتهزمه حتى مع النيات الصالحة.
إن حياة الناس اليوم قد كثرت فيها التعقيدات، وتشابكت فيها القضايا مما يجعل كل باب من أبوابها يحتاج إلى إدراك أعمق لسنته وقوانينه، فالإقتصاد اليوم مثلاً ليس بالسهولة واليسر الذي كان الناس عليه قديماً، ومثله الحرب والقتال وهذا يوجب على أهل الإسلام اليوم فرائض من العلوم أكثر مما كان على سلفهم وسابقيهم، إذ من غير إدراك هذه السنن وعلومها لا يمكن للمسلمين أن يحصلوا أهدافهم ومقاصدهم، وعدم سلوك هذه السنن الكونية معصية مثلها مثل عدم العمل بالسنن الشرعية، وهذه الآية تشهد لهذا إذ سمت ترك أمر قائدهم لهم بالمعصية، وخطورة ترك هذه السنن في الدنيا أعظم من ترك السنن الشرعية لأن أثرها على مجموع الأمة، وحادثة أحد تشهد لذلك، إذ أن ترك قسم من الرماة أماكنهم جعل المعركة تتقلب ضد المؤمنين جميعاً، وكان المصاب عاماً، فالمعصية في الحروب هي أخطر المعاصي وأشدها أثراً إذ قد تؤدي إلى هلكة عامة، أو تحرف مسيرة التاريخ إنحرافاً سريعاً لزمن طويل لا يتم صلاحه بسهولة ويسر، ولذلك جعل الله الفرار من الزحف كبيرة من الكبائر، ويدخل في هذا المعنى كل فعل يؤدي نتائجه كالتخذيل والقعود، وقد حكم الله على بني إسرائيل بسبب تخلفهم عن موقعة واحدة التيه في الأرض أربعين سنة كما قال تعالى في سورة المائدة ((قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين))، ولذلك فإن المجاهد مع علو مقامه وعظيم أجره هو على خطر عظيم إن عصى الله في الجهاد أو ارتكب خطأ فيه.
وههنا تنبيه مهم وهو أن المعصية التي وقعت في أحد لا تعلق لها بأنها مخالفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث كونه نبياً يوحى إليه، بل هي في أصلها مخالفة لقائدهم في المعركة، ويزداد إثمها أنها صدرت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكل مقاتل يخالف أمر قائده هو عاص لله تعالى وعاص لشرع الله تعالى، والقروح التي وقعت لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما تمت بسبب مخالفة الرماة لأمر عسكري بحت.
﴿منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة﴾