وقبل أن أفارق هذا الأمر البين في فقه هذه الواقعة من سورة طه أريد أن أنبه إلى جهالة من قال إن هارون إختار الإجتماع مقابل التوحيد، أي إن إجتماعهم مع عبادة العجل خير من تفرقهم على التوحيد، وزعم أن هذا هو فقه هارون عليه السلام، مع إقرار موسى عليه السلام له، وهذا جهل وقول على الله بغير علم، ذلك لأن هارون عليه السلام نهاهم عن إتخاذ العجل كما قال تعالى ((ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به، وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري)) فلم يطيعوه في تركه بل ((قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى))، فالتوحيد ليس عرضة للمساومة بينه وبين غيره، وقائل هذا القول لا يعرف شيئاً عن دين الله ولا عن دين الرسل ولا دعوتهم، ثمّ إن في القصّة في هذا الموطن من سورة طه فقه آخر يتعلق بما نحن فيه وهو أن بني إسرائيل علقوا تركهم العجل على رجوع موسى عليه السلام، فكان الأمر على هذا الوجه، وهو إما أن يتوجه هارون مع من يطيعه إلى الميقات لملاقاة موسى عليه السلام، وترك المخالفين، أو إنتظار موسى حتى يجتمع الناس عليه مادام أن المخالفين علقوا أمر الإجتماع وترك العجل على رجوع موسى عليه السلام، فاختار هارون الأمر الثاني لما فيه من رجاء هداية المخالفين الذين اتخذوا العجل، وهذا لا يخالف فيه أحد، فإن الناس لو اختلفوا على أمر ثم علقوا إجتماعهم على قول واحد غائب يمكن حضوره، فرضي الجميع به مع علمهم بدينه وتقواه وصواب اختياره لكان المستحب بل الواجب هو قبول الجميع بهذا لتحصيله كل الخير، وهو إلحاق العصاة بالموحدين والطائعين، واجتماع الناس على هذا الحق وعدم تفرقهم فيه، وأما الذهاب إلى الميقات فلم يفت في حقيقة الأمر، ذلك لأن القرآن أخبرنا في سورة الأعراف أن موسى عليه السلام اختار سبعين رجلاً للميقات وسار بهم إلى هناك كما قال تعالى ((واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي، أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين))، وفي سورة الأعراف بين هارون عليه السلام أنه امرهم ونهاهم حتى كادوا يقتلونه ((قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني)) فرجل هذا حاله كيف يمكن أن يسير إلى موسى للميقات، إذ الحال يدل أن الذين اتبعوه كانوا قلة مقابل الذين مالوا مع السامري صانع العجل.
والقصد أن الأمر لم يكن خيار بين التوحيد والإجتماع البتة، وقائل هذا إنما يقول على الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.
﴿وعصيتم﴾
فهذا الذي وقع من مخالفة بعض الرماة أمر النبي صلى الله عليه وسلم، حيث تركوا مواقعهم ظانين جلاء المعركة، فاستعجلوا النزول والغنائم، وهكذا رتبت الآية الحدث كما وقع، ذلك أن الضعف قد حصل أولاً من تحقيق النتائج إلى نهايتها، وهو ضعف في النفوس والإرادات، فكان أن تجادلوا وتنازعوا في أمر قد فرغ منه حيث كان واضحاً جلياً من قائدهم أن لا يخالفوه، ولا يختلفوا حوله، وبدل اتفاقهم ولزومهم في تطبيق الأمر حصل أن عصى البعض وتركوا أماكنهم فكان ما كان، والواو في اللغة وإن لم تكن للترتيب لكن واقع الأمر والحدث يشهد لهذا الترتيب القرآني في وصف الحدث، وهكذا جعل القرآن الكريم باب المعصية والوقوع فيها هو الفشل والتهاون والضعف في الإرادة والنفوس، لأن هذا هو أساس المعاصي وهو بابها وباعثها، وهذا قد يخفى على الناس بل قد يخفى على صاحبه، إذ يظن