أن يعمل المرء ما يحقق مقاصد الدين وأهله، والورع أن يسلك الطريق المؤدي لإرضاء الله تعالى، والشجاعة الأكبر أن يمتحن المرء مع أحبابه وموافقيه فيخالفهم أكثر من امتحانه مع مخالفيه، ولذلك فالوقوف مع المخالف امتثالاً لأمر الله أشد من الوقوف مع الموافق وإن كان في طاعة الله تعالى، فهذه مرتبة أعظم وأشد وأعلى.
إن أكثر اختلاف العقلاء والحكماء ليس بين الصواب والخطأ، لكنه بين أصوب القولين، وأهدى الرأيين، لكن الصغار وضعاف العقول والمبتدئين يتصورون كل خلاف هو بين الصواب والخطأ، ولذلك قال القدماء –من قل علمه كثر إعتراضه-، فتراهم يصرخون ويخالفون إخوانهم بطريقة غير مرضية لعدم إتساع تصوراتهم وعقولهم، ولذلك كان الواجب إتخاذ العقلاء وأهل الخبرة والتجربة في الشورى والنصحية، وإذا كان الأمر كذلك –وهو أن الإختلاف بين الصواب والأصوب، والحسن والأحسن، فإن إنتهاء الشورى إلى أحد القولين يوجب على الجميع الوقوف صفاً واحداً في العمل، وعلى الجميع السعي الحثيث لتحقيق الأهداف من خلال هذا الرأي الذي استقر الأمر عليه، هذا شأن المخلصين الذين يعملون لدين الله تعالى، فهم لا يريدون الظهور على حساب أهداف الأمة، ولا يريدون الإرتفاع والعلو على أنقاضها، ولذلك تراهم أشد الناس إعمالاً للرأي الذي صار هو أمر المسلمين وأشد الناس إخلاصاً في تنفيذه وإنجاحه.
لقد مضى على الأمة زمن طويل وهي مفككة غير متراصة، فضاع الكثير من فقه الجماعة وأحكام العامة، ولذلك ما أن تجد تجمعا حتى ترى الأمراض والمشاكل والخصومات، بعضها قائم بسبب ضعف النصيحة وقلة التقويم والنقد والمراجعة، وأخرى بسبب ضعف النفوس عن قبول النصيحة والتقديم، وبعضها بسبب غلبة الفقه الفردي دون إعتبار للجموع والأمة والجماعة، وهكذا تتنوع جوانب الضعف في بناء العمل الجماعي، وقد علم العقلاء أن الأمة لا يمكن أن تسير نحو أهدافها إلا بجهد جماعي سوي، وإن أردت أن ترى ضعف هذا الفقه فتأمل مساجد المسلمين وما فيها من خصومات حول فقه صلاة الجماعة تدرك حينها حال بقية أمور المسلمين وتجمعاتهم.
إن من الفقه الذي أرد إليه القرآن هو صنيع هارون عليه السلام خليفة موسى عليه السلام في بني إسرائيل عندما ذهب لميقات ربه، فإن بني إسرائيل اتخذوا العجل من بعده، فلما رجع موسى عليه السلام عاتب اخاه هارون كما قال تعالى "قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن، أفعصيت أمري" فكان من فقه هارون الذي سكت عنه موسى عليه السلام لرضاه عنه وسكوت القرآن عنه لرضاه كذلك أن قال ((إني خشيت أن تقول فرّقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي))، وذلك لأن موسى عجل إلى ربه للميقات، كما قال سبحانه قبل ذلك ((وما أعجلك عن قومك يا موسى، قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك ربّ لترضى)) فكان عتاب موسى لهارون عليهما السلام عن تأخره وعدم قدومه إليه مع بني اسرائيل، إذ كان من بني اسرائيل ما كان من اتخاذ العجل، فلم يأخذهم هارون بالمسير إلى موسى مخافة إفتراقهم على هذا الأمر لما رأى منهم إتخاذ العجل وعدم طاعتهم له في تركه، فوازن هارون عليه السلام بين الأمرين: المسير إلى موسى إلى الميقات مع من يطيعه وقد بان له تفرقهم، أو ترك المسير حتى يرجع موسى عليه السلام ومنع تفرقهم على أمره، فاختار ترك الأمر بالمسير مع توحدهم.