تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد كان الصحابة رضي الله عنهم يختلفون في الرأي، حتى في المسائل العلمية الشرعية، لكن حين يصل الأمر إلى المواقف العملية تجدهم في صعيد واحد وعمل واحد، ومن أمثلة ذلك ما حدث من الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في إتمام الخليفة الراشد عثمان بن عفان الصلاة في منى أيام التشريق، فإنه خالف الخليفة وخطّأه، ويحق له ذلك، بل هذا من دين الله تعالى، لكن لما صلى بعد ذلك أتم، فسئل عن ذلك وقال: الخلاف شر، والخلاف الذي سماه شراً ليس الخلاف في الرأي ولكنه الخلاف في الموقف والعمل، فهذا مثال في المسائل العلمية فكيف لو كان الأمر في مسائل الأمامة والخلافة؟!

لقد خالف الصحابة رضي الله عنهم عمر بن الخطاب بأرض سواد العراق، إذ فرض عليها الخراج، وقال بعضهم كبلال، بوجوب توزيعها كما وزع رسول الله صلى الله عليه وسلم أرض خيبر، ولكن لابدّ من موقف محلي واحد، وصاحب هذا الحق هو الخليفة لا غير وهذا تطبيق للآية ((وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله))، وهذا أمر يجب على المسلمين أن يعلموه، وخاصة المجاهدين في سبيل الله تعالى، وذلك على كل واحد أن يجتهد وسعه في إعمال عقله وعلمه لإبداء أصوب الآراء وأقربها للحق، ويدلل على ذلك ما استطاع، وهذا واجب على الجميع بلا استثناء، فالتنازع في الرأي قبل العمل خير وممدوح إن كان بشروطه، واما بعد العزم فإن التنازع مذموم مرذول مؤذن بالخسران والهزيمة، وسيأتي بعد ذلك الآيات التي تلعن اولئك الذين يجلسون بعد الحدث ليرجموا خصومهم الذين لم يأخذوا برأيهم، ويعلقون سبب الهزيمة على اختيارهم.

إن القرآن الكريم ههنا لم يعلق الهزيمة على الإختيار بالخروج إلى أحد، مع أنه كان هو رأي النبي صلى الله عليه وسلم، وقد رأى قبل ذلك بقرة تذبح فأولها أصحابه رضي الله عنهم، لكنه علق الهزيمة على الضعف والتنازع والمعصية في عدم تنفيذ الأمر على وجهه الذي أمر به القائد صلى الله عليه وسلم، بل إن القرآن الكريم ذم وقدح وحكم بالنفاق على الذين تركوا الخروج مع أصحابهم بسبب ترك النبي صلى الله عليه وسلم لرأيهم.

إن الله يمتحن المؤمنين بالإجتهاد وإعمال العقل وبذل الوسع لإصابة الحق، فهذا امتحان لعلومهم، ثم يمتحنهم بإرادتهم فيأمرهم بإعلان ما يعتقدون صوابه، إذ يجب عليهم أن يقولوا كلمة الحق التي يظنون صوابها، ويوصلونها لأصحابها لقول الصديق –لا خير فيكم إن لم تقولوها-، وهناك امتحان آخر بعد ذلك هو امتحان دين المرء حين يختار الناس أو الأمير قولاً غير قوله، ويميلون إلى غير رأيه كيف يفعل، وما هو موقفه؟!

فالمؤمن المهتدي، هو من يقف مع صف المؤمنين مع مخالفتهم له، وهذا الموقف ليس هنياً على النفوس والعقول، بل هو شديد عليهما لا يقوى عليه إلا العقلاء العلماء وأصحاب الإرادات الإيمانية العالية، لأن الكثير من المسلمين المعانين للدعوة والجهاد وعندهم ورع، ولكن قد يقع البعض فيهم بالورع البارد، أو الورع الذي يغلب على العباد الجهلة، وهذا ورع مفسد، وهو أشبه بالبدعة، إذ المرء يعملها تعبداً وهي معصية لله تعالى، ولذلك قال أهل العلم:- "لا يرجى لصاحب بدعة توبة" أي من جهة المآل، إذ كيف يتوب من يظن أنه يقترب إلى الله ويسعى لإرضائه؟!

إنه ليس من السهل على النفوس الشجاعة أن تقول الحق وتعلنه ثمّ إذا جاءت للصف وقفت مع مخالفيها، لأن هذا في ظاهره إتهام لدينهم وشجاعتهم، وكذا إتهام لعلمهم، ولكن الحق أن هذا هو عين الدين والورع والشجاعة، لأن الدين هو

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ١٢٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ١٢٣