تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه أسباب الهزيمة في موقعة أحد، وللهزائم في المعارك أسباب كثيرة، والقرآن ههنا يفصل الموقف الذي وقع بسببه غياب النصر بعد أن رآه الصحابة، وكادوا أن يقطتفوا وعد الله تعالى لهم به، وهكذا يؤيد في هذه الآية أن النصر هو ما يحبه المؤمنون، وهو الذي قاله سبحانه وتعالى في سورة الصف ((وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب))، فكان تخلف ما تحبون بسبب أعمالكم، وانظر إلى هذه المقابلة بين لفظ الحب ولفظ الإرادة، ثم وقوع ما تريده الإرادة إن كانت في طريق غير الطريق التي تحبه النفوس، هذا مع أن الحب هو إحدى مكونات الإرادة، لأن الإرداة لا تنبعث إلا لما يحب الإنسان ويرغب به، ولكن قد تتدافع المحبوبات فينتصر الأقوى، وقد يخطئ المرء طريق تحقيق ما يحب فيفوته، وقد تذهل النفوس عن محبوب غائب أمام محبوب حاضر، فتنبعث الإرادة إلى الحاضر لغياب غيره عن قلبه أو عينه مع عظمته وأهميته، وكل هذا متصور في الحال الذي بين أيدينا، وهو ضعف قد يحصل في الوعي وقد يحصل في النفس، وإن كان حضور هذا الضعف في النفس أقوى، وسيأتي في قوله تعالى ((إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا)) بيان أن هذا الضعف منشؤه المعصية.

﴿حتى إذا فشلتم﴾ أما الفشل فهو الضعف والتخاذل، وهذا الذي أصابهم رضي الله عنهم، وذلك أنهم ضربوا الضربة الأولى وتحصل لهم الهدف الأول من قتل المشركين، فقطعوا بعض الطريق أو أكثره إلى أهدافهم، فبدل أن يواصلوا الأعمال القتالية حتى يقطع دابر الكافرين في المعركة، ويتحقق النصر الكامل فيها، أخذوا ينظرون إلى اغتنام ما وقع من الغنائم استعجالاً في الإستحواذ عليها، وهذا ما جعل طائفة الشرك التي تتربص هذه الغفلة أن يضربوا ضربتهم ويقلبوا اتجاه المعركة إلى صالحهم، فالفشل هو النتيجة الحاصلة للتخاذل عن مواصلة الطريق والإنشغال عنها بسقطات قليلة، وهذا درس لكل المؤمنين من الوقوع في هذا المزلق، لأن الأمور ببدايتها القوية وبأثنائها من استغلال النصر الأول ثم نهايتها التي تعني أن يتحقق الهدف كله، لأن تحصيل بعض الأهداف مع وجود المخاطر، والإنشغال بهذا البعض دون الإلتفات للجيوب المتربصة الكامنة في الرماد عيّ وخطأ كبير وفساد يمنع تحقيق النصر بل يؤتي أكله شراً وهزيمة.

إن التخاذل قد يكون بعدم تحصيل الهدف الكامل في معركة، ولكن التخاذل الأعظم هو ترك الجهاد اكتفاءً بما يحصل من أهداف تحققها معارك عدة، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:- "ماغزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا"، وهذا مؤذن أن الذلة مقرونة بترك الجهاد حتى لو كنّا في مأمن واطمئنان، فكيف لو كان الأمر على خلاف ذلك، من ضياع بلاد الإسلام وغلبة الردة عليها، واستباحة المشركين لها، ونهب ثرواتها، وإهلاك الأنفس وتخريب الدين وإفساده؟! إن الجهاد يكون حينئذ من أوجب الواجبات لتحصيل رأس المال ودفع هذا الفساد.

﴿وتنازعتم في الأمر﴾ أي خلافكم وتفرقكم في تنفيذ أمر قائدكم صلى الله عليه وسلم، إذ أن البعض أصر على النزول واغتنام الفرصة لجمع الغنائم، وأما الآخرون فقد ثبتوا في مواقعهم تنفيذاً للأمر العسكري، والواجب هو تنفيذ الأمر من جميع الجنود بلا استثناء، لأن هذا الذي يحقق النصر، ذلك لأن هدي القرآن يأذن بالخلاف في الرأي، لأن هذا من التنوع الذي لا يمكن دفعه أبداً مع وجود موجباته، ولكن لا يأذن أبداً في الخلاف في الأعمال وخاصة ما كان متعلقاً بقضايا الأمة.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ١٢٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ١٢٢