وهو مع هذا يدفع عنك ظلم الظالمين، وكذبهم وافتراءاتهم التي يلصقونها بك، دفعاً في السر والعلن، فلا يسميك بالآخر حين يتكلم، بل هو يتكلم عن أخوانه "بالأنا"، فلا يقال: أخطأوا، وتسرعوا، وجهلوا، بل يقول: أخطأنا وجهلنا، لأن الكل في الميدان، والكل معني بتحقيق أهداف القرآن والسنة، والكل يدفع التضحيات هذا عتاب رباني على التقصير، وإرشاد لهم ليراجعوا علل القروح والألم، وقد جمعها بقوله:- فشلتم ... وتنازعتم في الأمر ... وعصيتم، وسبب هذه العلل يعود إلى النفوس لا الأفكار، وإلى نوازع الإرادات وتوجهاتها-منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة-.
لقد بدأ هذا الخطاب الرحيم بقوله:- "ولقد صدقكم الله وعده" ذلك مطلع تحديد التهمة، لأن الله سبحانه وتعالى العدل، وصادق الوعد، فالله سبحانه وتعالى أوفى لعباده ما وعدهم، وأوقع لهم ما يحبون، وأنجز لهم مطالبهم، ولذلك بدأت المعركة بتحقيق الوعد، حيث بدأ الصحابة يقتلون الكافرين –إذ تحسونهم بإذنه-.
إذن هذا المطلع هو الجواب الرباني لكل من يسأل عن النصر وتخلفه، وينظر إلى السماء وهو ينتظره ظاناً أنه قد تأخر لسبب يتعلق بمرسله وهو الله سبحانه وتعالى، ولا ينظر إلى الأرض والإنسان، ولا ينشغل بالبحث عن موانع حصول النصر وتحقيقه، فالآية ترجعه إلى نفسه، وإلى محيطه، وإلى جماعته، لأن العلل هنا لا في السماء، والقضية تكمن بما في نفوسهم لا بما في نفس الرب سبحانه وتعالى، وهذا التوصيف هو الذي يحقق العلاج ويصلح الحال، فالله جل جلاله لا يتهم، ووعده لا يتخلف إن وجد موجبه، ورحمته أوسع من عدله، وسواء كان هذا الخطاب الرباني–ولقد صدقكم الله وعده- إخبار عن وعد خاص حصل قبل موقعة أحد بأن ينصرهم الله في هذه المعركة أو هو إخبار عن الوعد العام الذي وعد الله عباده أن ينصرهم، فإن هذا يدل أن المسلمين هم من يمنعون تحقق النصر بما يعملون، وأن وعد الله يأتي ولكن المعاصي هي من تدفعه وترده.
هكذا جعلت هذه الآية قتل المشركين وعداً إلهياً، لأن الله أمر به وهو يحبه ويرضاه، فقتل المشركين مقصد إلهي –وعده إذ تحسونهم- فما يحقق القتل فيهم، وما كان في معنى القتل هو نصر للمؤمنين، بل في واقع الأمر لا يتحقق النصر للمؤمنين إلا على جثث وأشلاء ودماء المشركين، وهذه قاعدتهم كذلك، وإذا تخلى المسلمون عنها فلن يتخلى عنها المشركون، ولكن بتخليهم عنها إنما يرون نصر الله تعالى وتأييده.
-إذ تحسونهم- أي تقتلونهم، لأن بقاء أئمة الكفر وجنوده هو صد عن سبي g الله تعالى، وهو تعطيل للطريق الموصل لصلاح الوجود، وحين تفرغ أرض من الأراضي من هؤلاء المستكبرين العتاة فإن الطريق تصبح مفتوحة للدعاة والمرشدين وحملة كلمة الحق لإيصالها للناس، وهؤلاء الناس بعد ذلك لا يجدون من يصدهم عن دين الله تعالى وعن الحق، وأما قوله سبحانه وتعالى ((بإذنه)) فهو ذليل لأهل السنة على أنه لا يكون شيء في الوجود إلا بإذنه القدري سبحانه وتعالى، وموطن هذا البحث والرد على المخالفين في كتب التوحيد.
﴿حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون، منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم﴾