تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والعذاب الأبدي المقيم، والقرآن وهو يهدد الكافرين بها مع عدم إيمانهم بها، أو بعدم إيمانهم بموجباتها مما يفعلون من الشرك والكفر والضلال، فإنه يخوف المؤمنين بها حتى لا يسلكوا طريقها، ولذلك يستهزئ بها الذين لا يؤمنون بها، والمؤمنون مشفقون منها، ومع عظم عذابها فإن الله سبحانه وتعالى يعجب لجهالة الكافرين واستهزائهم بها كما قال تعالى ((فما أصبرهم على النار)) وعلى المؤمن أن يستحضر الخوف منها في كل عمل وحال لأن اليقين عليها من أقوى الدوافع للطاعات وترك المعاصي، وخوف المؤمن منها يشغله عن كل خوف، ويقينه أنها مستقر الكافر يوقف أي حسن له إن كان في شيء من النعم، فأي نعيم هذا الذي يعيشه إن كان نهاية هذا النعيم هو الخلود في جهنم، وأهون أهلها فيها رجل يوضع تحت أخمص قدميه جمرتين يغلي منهما دماغه –نسأل الله العفو والعافية- ولذلك هي بئس مثوى الظالمين. اللهم إنا نسألك الجنة ونعوذ بك من النار.

﴿ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر من بعد ما أراكم ما تحبون، منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتلكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين﴾.

بهذه الآية يبدأ علاج الداخل، علاجاً يلمس الأخطاء والسلبيات، ويضع المؤمنين المجاهدين أمام أنفسهم، لأن بهذا الكشف تقوّم الأخطاء وتعالج وتمضي القافلة.

لقد رأينا منهج القرآن جلياً قبل هذا الكشف وعرض الأخطاء والسلبيات، إذ رأينا القرآن يدفع النفوس، ويعيد لها ثقتها، ويدفع عن القلوب الريب والشك إن حصلا بعد القرح بتصويب الطريق التي سلكوها، ودفعهم إلى الثبات عليها وعدم تغييرها، ثم حَصَّن علومهم ومواقفهم من مقارفة طاعة الكافرين، وأمور أخرى تقدمت، ثم بعد هذا جاء لإصلاح الخلل والخطأ، فلم يسلك القرآن طريق الطعن وكما لم يسلك سبيل كشف الأخطاء ابتداءً، لأن المقصود هو البناء لا الهدم، والثبات لا النكوص، وتحضير الجند للمراحل القادمة من القتال والجهاد لا صرفهم عنه.

لقد اعاد لهم الثقة ابتداءً بعلوهم الإيماني، وحكم بأنهم ما زالوا جنوده وعبيده وهو وليهم، إذ لم يتغير من هذا شيء، وربطهم بسلسلة الهدى النبوية المقاتلة على مدار التاريخ، وعرفهم بأن الهزيمة ليست حدثاً طارئاً على الجماعة المؤمنة، كل ذلك ليتماسك البناء ويثبت ويتعافى، ثم بعد ذلك جاء هذا المرور على علة القرح والهزيمة، وهو مرور الرحيم بهم والذي ختم بقوله تعالى ((والله ذو فضل على المؤمنين)) إذ أعلن مع أول خطوات هذا الكشف أنه عفا عنهم –ولقد عفا عنكم- فرفع عنهم الوزر الذي ينقض الظهر ويشقي النفس ويرهق العقول.

هذا الكشف الرباني المعلن ليس دليلاً للمثبطين، ولا للقاعدين، ولا لذوي المناهج التي تقدح وتذم الجهاد، لأن الحالين مختلف، والأسلوب مختلف، والمقاصد مختلفة كذلك.

إن هذا ليس كشفاً للعورات، لأنه كشف داخلي، يناجي به المولى عبيده، ويعلن أنهم منه وأنه مولاهم وناصرهم، وأما كاشفوا العورات فيبتدؤون حديثهم بالتميز عن المجاهدين والإبتعادا عنهم حتى لا تصيبهم شظايا الكفار وقصفهم.

إن الناصح الشفيق، والناقد الرفيق هو الذي يقف معك حيث تقف، فيظلكما سقف المنهج الواحد، ويلقي معك ما تلقى، وهو مع ذلك يبصرك بالأخطاء والنقائص مع المسيرة المتواصلة الثابتة، من غير دعوة للنكوص أو الهروب والفرار،

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ١٢٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ١٢٠