تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً﴾

إن هذا الربط بين الرعب وبين الشرك ليدل على خطر هذا المرض الخبيث، وهو أخطر الأمراض وأخبثها، وهو علة فساد الإنسان والبشرية، وكل الإنحرافات التي تصيب البشرية إنما مبعثها هذا المرض الأكبر في الوجود، وآثاره على الإنسان في هذه الحياة وفي الآخرة لا تحويها المجلدات، ومن أجل خطورة هذا المرض بعث الله لعلاجه الأنبياء وأنزل الكتب، وعقدت له سوق الجنة وسوق النار، وهو الظلم الأكبر، والعمى الحقيقي، وسقوط المرء فيه يعني فساد كل قيمه واختلال كل موازينه، وخروجه الحقيقي عن دائرة الإنسانية لقوله تعالى في سورة الأعراف ((ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها، أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون)) فجعلهم الله تعالى أضل من البهم، وهم كذلك، وميزان المسلم الموحد في الحكم على البشر وقيمهم وأعمالهم إنما هو من خلال التوحيد وما يضاده من الشرك والكفر.

معركة المسلم الكبرى هي تحت راية الإيمان بالله وتوحيده، وحين تكون كذلك يكون الله تعالى مع المؤمنين في جهادهم، وتخلي المسلمين عن هذه القضية يعني تخليهم عن نصرة الله لهم، ورفع تأييده عنهم، وهذا ما يقع فيه المسلمون اليوم في كثير من معاركهم حين لا يربطون قضاياهم مع التوحيد، أو يخجلون عن إظهار تميز حروبهم عن حروب غيرهم تحت ضغط الجاهلية وقيمها ومفاهيمها، وهذا ما يؤخر النصر ويحجبه.

إن مهمات الجاهلية أن تبلعك وتدخلك في أحشائها حتى وأنت تخاصمها، وبذلك تسعى أن تربطك بقيم الأرض وتبعدك عن عبوديتك لله وقيم السماء والآخرة، فيصبح حق الله تعالى قضية خاصة لا يجوز لأحد أن يمثلها أو يقاتل من أجلها، لأن الجاهلية ومن خلال قيادة الشيطان لها، وهي قيادة حقيقية وليست رمزية تعرف أن هذا مصدر قوة وعنصر نصر في هذا الصراع، والمتابع لصراخ الجاهليين اليوم (العلمانيين) يرى أن أشد ما يقهر قلوبهم ويغيظ نفوسهم هو إدعاء المسلمين في جهادهم أنهم يحاربون باسم الله، وأنهم جنده، في مقابل أنهم هم أعداء الله وجنود الشيطان، وحين يخجل المسلم من هذا الإدعاء ويرضخ لقصفهم الإعلامي واستهزائهم المتكرر يعني أنه فقد خصوصيته ,مصدر قوته، وبالتالي يصبح واحداً من أعداد كثيرة تتخاصم على المنافع والأرض والأموال وأمثالها لا غير، وبهذه الصفة تفقد المعركة موجبها الدائم والمتواصل، ولا مانع بعد ذلك من الوقوف مع الجاهلية في منتصف الطريق لأن الكل يقف على أرضية واحدة ويعبر عن قيم واحدة؛ فالجاهلية تعمل على جبهتين اثنتين في معركتها ضد المسلمين أولاهما:- أن تفرض قيمها في هذه المعركة، وتجمع كل الطوائف المتخاصمة تحت لوائها وقوانينها، وثانيهما:- أن تسرق الشعارات والمصطلحات الإيمانية لتملأها بمسميات قيمها الجاهلية، ومن ذلك اسم الجهاد والشهادة في سبيل الله تعالى وأمثالها، وهذه المعركة ليست معركة مصطلح وشعار لكنها معركة قيم ومفاهيم، وتدور حول حقائق دنيوية وأخروية، وإن تحقق للجاهلية مرادها –وقد تحقق على صعد كثيرة وتم الإختراق في أحزاب ومفكرين إسلاميين كثر- فإن القرآن الكريم يصبح مجرد كلمات وأوراق تمزق من أجل إتخاذها لوحات جمالية لا محتوى حقيقي لها، ويتخذها كل الفرقاء شعارات للتداول السلعي المادي القذر في عالم من البيع الحرام والربا والسحت.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ١١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ١١٨