إن هذه الفئة المؤمنة المجاهدة هي التي حققت الرعب في نفوس الأعداء لأنهم باختصار لم يتعاطوا مع الآخر ضمن خطوطه الطولية أو الأفقية في جهادهم وصراعهم، وكان أشد ما قاله قادة الأمن والإستخبارات فيهم هو أن ينشأ في الأمة المسلمة جيل جهادي لا يقاتل بمفاهيم دوائر الصراع التي وضعها هو بنفسه، لأن كل صراع داخل هذه الخطوط هو صراع مضبوط يحقق أهدافاً للكفار أكثر مما يحقق للمخالفين، وأما هذا الجيل المرعب فإنه ينقل الصراع ضمن خطوطه ودوائره هو، وهذا ما يمنع تحقيق أي منافع لهم بل إن أعظم المنافع ستكون لهذه الفئات حتى لو كانت قليلة.
لقد رأينا كيف كانت نتائج حروب الإستقلال، إذ كانت ضمن قواعد اللعبة (كما يسمونها)، فآلت بمجموعها منافع للآخر، وهذا ما يحاول البعض ممن يزعم الواقعية والفهم والذكاء أن يجر المجاهدين إليه، وأشد ما يعيبه عليهم هو تميزهم الخاص هذا، وهو تميز يحقق موقف قوة لهم ورعب لخصمهم لأن المجاهدين خارج السيطرة، ويقودون المعركة كما يريدون –مع صغرها حيناً- لا كما يريد أعداؤهم، وبهذا التميز تتحقق النتائج.
إن خروج المجاهدين على قواعد ودوائر وخطوط الأعداء قد يتعبهم ويضيق عليهم الحال، فهم فوق الثنائية التي تفرض نفسها من خلال قاعدة التدافع بين القوى والبشر، حيث تسعى بعض الجماعات إلى لصق جهادها بمفهوم الوطن، وهو مفهوم فرضه الجاهلية كدائرة مأذون لها بالصراع، أو انحازت إلى جهة من جهات التدافع لتقاطع مصالحها معها، وذلك لضعفها عن تحمل تكاليف الإنفراد والتميز، وهذا سيفقدها عوامل عدة من عوامل النصر، وستجعل من نفسها رقماً ضمن مصلحة المهيمن عليها، وهذا قد يقويها حينا لكنه أشبه بالمخدرات التي ينشط لها الجسم لفترة ثم تنقلب عليه دماراً وضعفاً، وأما المجاهدون الذين خرجوا على هذه القواعد فسيتعبون بلا شك، لأنهم خارج نظام الحماية التي تفرضها قواعد الجاهلية لأفرادها مع تضادهم، لكنهم هم الأقدر على البقاء، وهم أولى الناس بمفهوم التوحيد والبراءة من الجاهلية، وهم أولى الناس بتحقيق النصر ضمن شروطه الأخرى والكثيرة.
إن مما يميز المنهج الإسلامي في التدافع وقيمه هو الخصوصية التي يهدي أتباعه إليها، وهذا ما يؤكده القرآن، وهو حين يدعو أتباعه والمهتدين به على إعمال أوامره فإنه يدعوهم ليقوموا بها بصفتها أعمالاً نسكية يتعبدون الله بها، وهذا كان سبباً كافياً لتحقيق النصر لدى المسلمين الأوائل، مع وجود العلماء والحكماء الذين يدركون حِكَم هذه الأوامر وأثرها على الحياة، وموافقتها للفطر والقدر، وفي يومنا هذا تكثر الجهالات التي يبتدعها قادة الفكر والجماعات في الأمة، وعمدة جهالاتهم هو فصلهم القرآن الكريم عن الحياة وعن سياساتهم ومناهجهم وعامتهم من يرى أن الأوامر النسكية قاصرة على الأعمال التي يقوم بها المسلم لله تعالى، وأما شؤون الحياة واختيار المواقف فهي محكومة للرؤى الذاتية والتقييم الذاتي لهؤلاء القادة، ومما يشجعهم هؤلاء الفقهاء الذين درسوا الفقه من كتب الفقه الإصطلاحية، وما يعرفونه من القرآن الكريم هو قواعد عامة يعرفها العوام مثلهم، وإنما يتميزون عنهم بهذا الفقه الذي تقدم، وتكون مراتبهم بمقدار ما يحوي الواحد منهم من آيات تخدم هذا الفقه بأبوابه المعروفه، وبكثرة معرفة مسائل الخلاف وأدلتها، وهذا ولا شك دين وفقه، لكن ليس بهذا الفقه وحده تحيا الأمة ويصلح حالها، بل إنما تبدأ الأمة بالشروع نحو أهدافها إن ذهبت إلى كتاب ربها ليجيبها على كل قضايا الحياة، حينها يصبح القرآن الكريم صانعاً لجيل صحابي جديد، لأنه يصنع عقولاً ونفوساً وإرادات متميزة، وبهم يتحقق الوعد الإلهي كما تحقق مع تاريخ الإسلام كله.