عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين))، ولكن الرعب كان قد أصاب بني إسرائيل وحطم إرادتهم وأصابهم بالعجز والخوف والجبن فكان ما كان مما قصه الله علينا هناك، ووصفه الرجلين الصالحين نافعة في كثير من المواقف حين يكون مجرد الثبات والوقوف هو سبب لهزيمة الخصم وإنتصاره كما يعرف التاريخ العسكري، لأن الخصم نفسه يكون في حالة معاناة وضعف يوشك على الإنهيار، ولكن ليست هذه الوصفة صالحة لكل المواقف كما يعلم أهل فن الحرب والقتال، ومن ذلك رجوع سيف الله خالد بن الوليد بالمسلمين بعد ما أصابهم ما أصابهم في غزوة مؤتة، وسماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكرار.
في موطن ما يكون المقابل لك صاحب وعي خاص، وإدراك نبيه فيمكن إحداث الرعب من خلال كلمات الحقيقة التي تجابهه بها، ومن ذلك ما وقع لموسى عليه السلام مع السحرة كما في سورة طه كما قال تعالى ((فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى، قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذباً فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى، فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى))، فوعي السحرة وذكائهم جعل كلمات موسى عليه السلام تحدث لهم تنازعاً، وحواراً حول حقيقة ما يقول، وفي هذه الآيات دليل على أن السحرة حصل لهم تأثر أولي، وتحققت فيهم الصدمة والإلتفات نحو الحقيقة قبل أن تأكل عصا موسى عليه السلام سحرهم بحبالهم، ولكن هذه الصدمة لم تكن كافية لتحقيق الإيمان حتى تحقق الأمر الثاني فكان إيمانهم، والقصد أن حصول التنازع إنما وقع لكلمات موسى عليه السلام لإستعدادهم الفطري والمكتسب في الوعي على الحقائق التي تقال لهم.
ومما جعله الله تعالى سبباً لرعب الأعداء هو الإعداد الذي يحقق النكاية فيهم كما قال تعالى ((وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم)) والآخرون هؤلاء هم الأعداء غير المرئيين من المنافقين وغيرهم، وإن من حكمة الله تعالى أن جعل فاصلة الآية هي قوله تعالى ((وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم)) إذ جعل كل ما يفعله المؤمن وهو يعد للجهاد –حتى لو لم يستخدمه- هو إنفاقاً في سبيل الله تعالى، ويمكن جمع هذه الآية مع الآيتين في سورة التوبة –ما كان لأهل المدينة ومن حولهم ... إلى قوله تعالى ((ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون)) لنرى سعة مفهوم الإنفاق في سبيل الله تعالى حتى دخل فيه –ولا يطؤون موطئاً يغيظ الكفار- وهو باب يحتاج إلى علماء في نفوس الناس عامة ونفوس الكافرين المعاصرين لهم خاصة ليبدعوا من الأقوال والأعمال ما يحقق هذه الآية ليتحقق الأجر.
إن علاقة هذه الآية -سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب- وبين الآيتين المتقدمتين علاقة وثيقة، ذلك أن الرعب يقع في نفوس المسلمين حين ينهجون في الحياة مناهج الكافرين، وهذا ما نراه مشاهداً في واقعنا إذ نرى أن الأحزاب والتنظيمات الإسلامية التي تتقاطع في أهدافها مع أهداف الكافرين، وتريد أن تحقق عزة الإسلام من خلال رضاهم هم أشد الناس رعباً من الكافرين، فهم يلتفتون إلى رضاهم مع كل حركة، وعند كل قرار، ويحاولون أن يرسموا خطواتهم ضمن خطوطهم، والعجب ممن يظن أن أحداً يرسم خطوطاً تسمح للسائر عليها بتدميره وإهلاكه، ولذلك مما هدى الله إليه المجاهدين دوماً وفي زماننا كذلك أن خرجوا عن هذه المسارات الجاهلية منحازين إلى هدى القرآن واوامره حتى لو لم يدركوا حكمته، ولذلك هم الذين يحققون الرعب في صفوف الكافرين مع قلتهم وضعفهم.