السنن العامة فى دعوة الرسل إلى الدين الوفاء للحق ، والقيام على أمره ، ومواجهة الناس أجمعين به ، من أولى الخصال التى يحيا بها الدعاة إلى الله ، وتعد صبغة لازمة لسلوكهم ، بل جزءا خطيرا من كيانهم . فهم ـ على بعد الشُّقة بينهم وبين الضائقين بهم وعلى وحشة القطيعة وطول الخلاف ـ يظلون ثابتين على دعواتهم ، يشرحون أصولها بدقة ، ويبينون حدودها بأمانة ، ولا يتلوَّن الحق فى رسالاتهم لرغبة أو رهبة . إنهم أوفر أحلاما ، وأقوى أركانا من أن يستخفهم مستهزىء يحاول النيل منهم. ولقد استمع رسول الله إلى نداء المشركين الساخر حين قالوا : (يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون ، لوما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين) . فما تظن أثر ذلك النداء فى فجاج الأرض أو أقطار السماء ؟ لقد تاه صداه وانقطع مداه ، وما تحرك له من جانب المرسلين الكبار شعور قلق. واسمع إلى هذا النفر الراسخ فى كفره ، المكين فى باطله وهو يعلق على الرسالة وصاحبها : (وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا ، إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها) . إن هذا الاستفهام المفعم بروح الاستفزاز والتكذيب والتحدى والتحقير ، يخرج من نفوس أصحابه ليسقط تحت مواطىء الأقدام ، فما يستفز من نفوس الدعاة شعورا بهوان أو غربة . إنهم فى إيمانهم أرسخ أقداما وأمكن أحلاما وأنور بصائر من أولئك الضالين المخدوعين . إن الداعية يعيش فى الحق الذى شرفه الله به مثلما يعيش الناس فى أنوار الضحوة الكبرى . ص _065
مع الله دراسات في الدعوة والدعاة · الصفحة ٥٩
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
مع الله دراسات في الدعوة والدعاةص ٥٩
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي