وإنما ورد على هذا الأسلوب البديع متضمنا لجميع من تمسك بهدى نبى سابق وانتسب إلى شريعة سماوية ماضية ، ليدل على أن الجزاء السابق وإن حكى على أنه من خطأ اليهود خاصة ، لم يصبهم إلا لجريمة قد تشمل الشعوب عامة وهى الفسوق عن أوامر الله وانتهاك حرماته . فكل من أجرم كما أجرموا سقط عليه من غضب الله ما سقط عليهم . وعلى أن الله جل شأنه لم يأخذهم بما أخذهم لأمر يختص بهم على أنهم من شعب إسرائيل أو من ملة يهود ، بل : (ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون) . وأما أنساب الشعوب ، وما تدين به من دين ، وما تتخذه من ملة ، فكل ذلك لا أثر له فى رضاء الله ولا غضبه ، ولا يتعلق به رفعة شأن قوم ولا ضعتهم . بل عماد الفلاح ووسيلة الفوز بخيرى الدنيا والآخرة إنما هو صدق الإيمان بالله تعالى بأن يكون التصديق به سطوعا على النفس من مشرق البرهان ، أو جيشانا فى القلب من عين الوجدان ، فيكون الاعتقاد بوجوده وصفاته خاليا من شوب التشبيه والتمثيل ، ويكون اليقين فى نسبة الأفعال إليه خالصا من وساوس الوهم والتخييل ، ويكون المؤمن قد ارتقى بإيمانه مرتقى يشعر فيه بالجلال الإلهى . فإذا رفع بصره إلى الجناب الأرفع أغضى هيبة وأطرق إلى أرض العبودية خشوعا . وإذا أطلق نظره فيما بين يديه ، مما سلطه الله عليه ، شعر فى نفسه عزة بالله ، ووجد فيها قوة تصرفه بالحق فيما يقع تحت قواه . لا يعدو حدا ضرب له ، ولا يقف دون غاية قدر له أن يصل إليها . فيكون عبدا لله وحده ، سيدا لكل شيء بعده . كتب ما تقدم الأستاذ الإمام بقلمه إذ اقترحت أن يكتب تفسير الآية كما قرره فى درسه و إننى أتمه على المنهج الذى جريت عليه فأقول : هذا هو الإيمان المرضى عند الله تعالى الذى يكون أصلا لتهذيب أخلاق صاحبه ، ومصدر الأعمال الحسنة فى مسلكه . وللإيمان إطلاق آخر ، وهو التصديق بالدين فى الجملة ( أى الإيمان بالله : وبأن ما جاء به فلان النبى مثلا هو صحيح غير مكذوب على الله تعالى
مع الله دراسات في الدعوة والدعاة · الصفحة ٤٤
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
مع الله دراسات في الدعوة والدعاةص ٤٤
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي