تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولم يكن ذلك الضعف الذى أذل جانب الدين عن قصور فى بيانه ، أو تقصير فى حمايته ، بل لأن ضراوة الكفر بلغت حدا رهيبا من الجسامة !! وإلا فقد ظل نوح عليه السلام بضعة قرون يدعو قومه بكل أسلوب دون جدوى (قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا ، فلم يزدهم دعائي إلا فرارا ، وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا ، ثم إني دعوتهم جهارا ، ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا ، فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا) . بيد أن هذه المناشدة الحارة ذهبت سدى ، وبقى المجتمع الكنود على كفره ، لم يتغير من أحواله المضطربة شيء ، ولم يستقم له حال . . واتضح أن موجة الكفر فى مد متتابع ، وأن مستقبل هذه الجماعة لن يكون إلا صورة مكررة لحاضرها السيء ، بل إن نطاق الإيمان ينقص ولا يزيد ، وذلك ما جعل نوحا ينادى : (..رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا * إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا) . وهيمنة الضلال على المجتمع ، التى أحنقت نوحا وأحرجته ، أخذت طابعا أقسى فى رسالات أخرى أعقبته . فقد بلغ من استمكان العُتو فى أرض مدين أن هدد الكفر ـ وزمام الأمر بيده ـ بطرد شعيب ، ونفى المؤمنين من أتباعه ، إن هم ظلوا يؤمنون بالله ويدعون إلى القسط !! (قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا ..). وكذلك صنعت قرى المؤتفكة مع نبيها الذى يُعلمها العفاف ، ويجنبها الشذوذ ، ويريد تطهير أنديتها من المنكر ، لقد كان صوت الفساق من العلوّ والقحة بحيث لم يستح أن يتوعَّد الأطهار بالطرد (قالوا لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين ، قال إني لعملكم من القالين ، رب نجني وأهلي مما يعملون) . ص _412

مع الله دراسات في الدعوة والدعاة · الصفحة ٤٠٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع الله دراسات في الدعوة والدعاةص ٤٠٢