وبعثت عمالك فى جباية الأموال وجمعها ، وأمرت ألا يدخل عليك أحد من الرجال إلا فلان وفلان نفرا سميتهم ...، ولم تأمر بإيصال المظلوم ، ولا الملهوف ، ولا الجائع ، ولا العارى إليك ، ولا أحد إلا وله فى هذا المال حق . فلما رآك هؤلاء النفر استخلصتهم لنفسك وآثرتهم على رعيتك ، وأمرت ألا يحجبوا دونك تجبى الأموال وتجمعها ، ولا تقسمها على أهلها ، قالوا : هذا قد خان الله فما لنا لا نخونه؟! فائتمروا ألا يصل إليك من علم أخبار الناس شيء إلا ما أرادوا ، ولا يخرج لك عامل فيخالف أمرهم ، إلا خوَّنوه عندك حتى تسقط منزلته ، فلما انتشر ذلك عنك وعنهم عظَّمهم الناس وهابوهم وصانعوهم ، فكان أول من صانعهم عُمَّالك بالهدايا والأموال ليقدروا بها على ظلم رعيتك ، ثم فعل ذلك ذوو المقدرة والثروة من رعيتك ، لينالوا ظلم من دونهم ، فامتلأت بلاد الله بالطمع ظلما وبغيا وفسادا ، وصار هؤلاء القوم شركاءك فى سلطانك وأنت غافل ، فإن جاء متظلم حيل بينك وبينه ، فإن أراد رفع قصته إليك عند ظهورك ، وجدك قد نهيت عن ذلك ، ووقّفت للناس رجلا ينظر فى مظالمهم ، فإن جاء ذلك المتظلم ، فبلغ بطانتك خبره سألوا صاحب المظالم ألا يرفع مظلمته إليك …، فلا يزال المظلوم يختلف إليه ، ويلوذ به ويشكو ، ويستغيث ، وهو يدفعه ، فإذا أجهد وأحرج ثم ظهرت صرخ بين يديك !!، فيضرب ضربا مبرحا يكون نكالا لغيره ، وأنت تنظر فما تنكر !! فما بقاء الإسلام على هذا ؟ وقد كنت يا أمير المؤمنين أسافر إلى الصين ، فقدمتها مرة ، وقد أصيب ملكهم بسمعه ، فبكى بكاء شديدا ، فحثه جلساؤه على الصبر … فقال : أما إنى لست أبكى للبلية النازلة ، ولكنى أبكى لمظلوم يصرخ بالباب فلا أسمع صوته . ثم قال : أما إذ ذهب سمعى ، فإن بصرى لم يذهب ، نادوا فى الناس ألا يلبس ثوبا أحمر إلا متظلم . ثم كان يركب البغل طرفى النهار هل يرى مظلوما ؟ فهذا يا أمير المؤمنين مشرك بالله بلغت رأفته بالمشركين هذا
مع الله دراسات في الدعوة والدعاة · الصفحة ٣٩٧
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
مع الله دراسات في الدعوة والدعاةص ٣٩٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي