تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تنكر لى بغتة ، وأبدى من أسباب الجفوة ما دل على انحطاط فى الخُلق ، ودناءة فى الطبع ، ثم ما لبث هذا الصديق ، فى ظروف أخرى ، أن صفا معدنه ، وسمت نفسه ، فتقدم فى ميدان الجهاد ، وبذل روحه فداء لأمته ، ومات شهيدا ، فعلمت أن الناس لا يخلصون شياطين ، ولا يتمحضون ملائكة ، والعاقل من لبس الناس على حالهم ، لا يزهد فى الصديق وإن بدا شره ، ولا يقطع ما بينه وبين الناس لجرح لا يلبث أن يندمل ، أو لعارض لا يلبث أن يزول . * * * وعلمتنى الحياة أن حظوظ الناس تبدو متفاوتة أكثر من حقيقتها ، وهم فى الواقع متقاربون فى الشقاء والسعادة ، لكل من حظه ما يسعده ، ومن همه ما يشقيه . عرفت رجلا كثير العيال رقيق الحال ، لا يشك من ينظر إليه فى أنه ضيق بحظه من الدنيا ، وهو لا يكاد يفيق من هم إلا ويعثر فى هم . وعلمت بعد ذلك أن الرجل ليس من الشقاء بالقدر الذى توحى به حاله ، فهو قد ألف ضيق العيش ، ووطن نفسه عليه ، حتى إذا أصابته نعمة ضئيلة على غفلة من دهره ، كان تقديره لها كبيرا ، وفرحه بها عظيما ، وذاق بها السعادة كما ذاق من قبلها الشقاء ، وعلمت من ثقة أن أحد ملوك المال فى مصر ، وهو رجل من أقوى الرجال فى بلده ، ومن أعرضهم جاها وأوسعهم نفوذا ، رجل عرف بالسيطرة على أقدار الحكومات ، حتى إنه ليُسقط حكومة ويقيم أخرى . هذا الرجل كثيرا ما يخلو إلى نفسه ، لينسى سوء حظه ، وليبتعد بشقائه عن عيون الناس ، بل إنه ليتسلل من سريرة فى جنح الظلام لينفرد بنفسه ويبكى . وعرفت سيدة كانت تتبرم من ضيق العيش ، ثم ورثت شقيقا لها ، فأصبحت تتبرم بما أصابته من مال لا تعرف كيف تستغله ، فآمنت بعد كل ذلك أن الناس سواسية فى الشقاء والسعادة ، على خلاف ما يبدو من تفاوتهم فى أحوالهم ، وأن فى الأرض عدلا بين الناس أكثر مما يظن الناس . * * * وعلمتنى الحياة أن نجاحى فيها رهن إيمانى بنفسى وإيمان الناس بى . فقد كانت ثقتى بنفسى تدفعنى إلى العمل ،

مع الله دراسات في الدعوة والدعاة · الصفحة ٣٨٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع الله دراسات في الدعوة والدعاةص ٣٨٧