تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

زاد للدعاة وهذه نماذج للقراءة والتدبر ، لا للحفظ والإلقاء . قصدت من سوقها إثارة ما فى النفوس من مشاعر الخير والصدق . فإن الكلمات العامرة باليقين ، الحافلة بالإخلاص ، الصائبة فى تصوير جوانب الحياة ، الراشدة فى إيضاح قضاياها ، لها أثر ساحر فى إحياء القلوب ، وإيقاظ الهمم ، وإطلاق العواطف الحبيسة وراء الهموم الصغار والأغراض التوافه . وقد ارتأيت فى ترتيب هذه النماذج أن تكون منوعة النزعات ، متوازنة الفكرة والوجهة ، فلا ينجذب القارىء مع مناجاة خاشعة إلا شدته خطبة مهتاجة ، ولا يبغض سورة الحياة إلا ارتد إليها فى صراع مع هذه الدنيا . ولا يهتم فى طلب الآخرة إلا أبصر قصده مع هذه الدنيا . والحق أن التدين الصحيح هو الذى يستكمل فى طبيعته عناصر الكمال فى المعاش والمعاد جميعا ، وتلتقى فيه شعب الإيمان كلها ، فلا يطغى جانب على جانب ، ولا يتضح معنى ويغيم آخر . ونريد من الداعية إلى الله ـ إذا عاش حينا بين أفكار الرجال وكلماتهم ـ أن يقتبس منها ما يؤكد فى نفسه هذه الحقيقة . أى أنه ينتفع بها فى زيادة تفهمه لدينه وإفهامه للآخرين . ثم ليجعل من هذه الكلمات بذورا تلقى فى نفسه ، كما تلقى الحبوب فى الأرض الخصبة لتخرج بعد حين ، وقد زادت أضعافا مضاعفة . ثم إن مستويات البلاغة فى هذه النقول تتبع العصور التى قيلت فيها ، وأذواق الناس تختلف فى تقدير ما احتوته من جمال فنى ، وأعتقد أن بساطة الأداء الظاهرة فى صدر الإسلام ، أفضل من ضروب الأناقة التى التزمت فى العصور الوسيطة . وأحسب أن عصرنا الحاضر أخذ يقترب فى تعبيره من طابع الصدر الأول . وليس يهمنا ما ينتمى إليه الكلام من طبقات البلاغة ، إنما يهمنا ما أودع فيه من روح الإيمان ، وقوة الشعور ، وأصالة المعنى . فذلك هو الزاد الذى تربو به ثروة الداعية ، ويقتدر به على توجيه الناس . * * * ص _355

مع الله دراسات في الدعوة والدعاة · الصفحة ٣٧٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع الله دراسات في الدعوة والدعاةص ٣٧٤