به فى كنفه دون حرج . ذلك أن طبيعته فى المعاملة إذا حكم ، هى هذه الديمقراطية الراقية . أما إذا حكم غيره ، فإن الأرض الفضاء ستضيق به ، وفرص البقاء ستنعدم أمامه . ص _321
وذاك هو السبب فى أن المسيحيين عاشوا فى الأندلس يوم كان الحكم فيها إسلاميا . فلما انهزم المسلمون وتحول الحكم إلى أيدى الصليبيين لم يُسمح للإسلام ولا لأمته ببقاء . ففنى وفنُوا جميعا فى هذه البقعة من أرض الله . وما زالت المأساة تتكرر فى غيرها من أقطار الأرض . هل مرونة النظام الديمقراطى عيب فيه ؟ وهل سعة أفقه جناية عليه ؟ كذلك يظن بعض الناس ، وهم يردون مصارع الديمقراطية فى البلاد التى تلاشت فيها ـ كألمانيا النازية مثلا ـ إلى هذه العلة . والأمر يستدعى التأمل أو التحسر ، فإن تقوض النزعات الإنسانية الراقية أمام المذاهب الحاقدة ، يعطى هذه النزعات حقوقا أن تخرج على طبيعتها حينا لتصون نفسها ، وتحفظ بقاءها . . وإذا كان التعصب للنفس وحدها ديدن الصليبية إذا حكمت ، فمن الواجب إيصاد أبواب الحكم أمامها ، وكذلك الشيوعية . والغشاوة المضروبة على أعين هؤلاء وأولئك والتى تجعلهم يحسبون الحق هو ما عندهم وحدهم ، والباطل هو كل ما لدى غيرهم ، لا تعطيهم بداهة أى حق ضد الآخرين ، فهى غشاوة جهالة ، وجشع ، وضيق فطن ، أكثر من أن تكون غيرة على الحقيقة المعتنقة !. والغريب أن الصليبية لما انقسمت على نفسها مذاهب متعددة ، عامل كل مذهب مخالفيه فى الرأى على قاعدة : "البقاء للأقوى" و "الويل للمغلوب" و "لا حق إلا عندى" . والأغرب من ذلك أنها تتهمنا ـ نحن المسلمين ـ بالتعصب . وقد كتب الأستاذ "عبد الرحمن الشرقاوى" يشرح هذا المعنى فقال : " جرت عادة المستعمرين من الإنجليز والفرنسيين ، كلما تناول خطباؤهم أو كتابهم الكلام عن الشرق والشرقيين ، أن يتعرضوا ـ من قريب أو بعيد ـ إلى خلائقنا ، ليُلصقوا بها ما تفرق من نقائص البشرية ، كأنها خصائصنا اللازمة . وهم