تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومأساة الجزائر تحمل الطابع نفسه ، وانحصار القتال فيها الآن لضرورات موقوتة ، وإلا فالهدف الكبير سحق المسلمين فى هذه المناطق من الشمال الإفريقى كله . . والهدم العسكرى الذى تتعرض له الأمة الإسلامية ، بدأ على نطاق واسع فى أخريات القرن التاسع عشر الميلادى ، ولم يتأخر فى الوصول إلى غاياته المرسومة إلا لما ينشب من حروب بين المستعمرين أنفسهم . وكلما هادن بعضهم بعضا شرع الزحف الحقود يضطرد فى مجراه ، لا يحيد قيد شعرة عن أمله وعمله ، أمله فى قتل الإسلام ، وعمله لتقريب الوفاة . . وعلى الداعية المسلم ـ وهو يقاوم هذا الهدم ـ إفهام أمته أن ذلك ليس إدراكا لثأر قديم ـ كما يزعم المستعمرون ـ وإنما هو تجديد لعدوان سابق ، وتكرير لمآس سلفت . فإن الإسلام يرعى حق الحياة لمخالفيه ، ويعاملهم على قدم المساواة مع أتباعه . ولذلك فهو أبعد ما يكون عن التعصب والاعتداء . أما النصرانية ، فهاك ما يكتبه عنها أحد مفكرى الغرب الكبار وهو الأستاذ "بابيه" ترجمة الدكتور "عبد الحليم محمود" . " أثبت ذلك الباحث أن السبب البارز ـ بل السبب الوحيد ـ الذى جعل "الإمبراطور قسطنطين " يتخذ المسيحية دينا رسميا إنما هو ما رآه فيها من التعصب الذى لا يوجد فى غيرها من الأديان المعروفة على عهده ، والمنتشرة فى "روما" يوم ذاك . لقد رأى أن هذا التعصب هو الذى سيشد أجزاء الإمبراطورية برباط من حديد ، ويمنع عوامل الاسترخاء والتحلل التى أخذت منذ أمد تسرى فى أوصالها . وكان الإمبراطور مبتئسا محزونا لحال مملكته المترامية الأطراف ، ولملاحظته بوادر التفكك فى كيانها الرحب . فوجه جهده لجمع هذه الأشلاء ، التى توشك أن تتداعى . فلما نظر إلى الأديان السائدة ، وجدها ثلاثة متعادلة ، انتشرت بينها العداوات فكل منها يصارع الآخر ليصرعه . وهو ـ عندما نظر إليها ـ لم يلتمس فى أحدها الهداية والرشاد . ولم يكن باحثا عن النجاة فى الدار الآخرة . إن ذلك لا يعنيه

مع الله دراسات في الدعوة والدعاة · الصفحة ٣٥٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع الله دراسات في الدعوة والدعاةص ٣٥٨