تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكما تأيدت دعوات أولئك الأنبياء السابقين بالخوارق المعجزة ، فإن تخليصهم من براثن عدوهم تنزلت به آيات من السماء ، وتولته ملائكة الله جل شأنه ، على النحو الذى وعاه التاريخ ، ودوَّنه الوحى . لكن الرسالة الخاتمة لها فى ذلك الميدان شأن آخر . فإن الإيمان الذى تهدى إليه يعتمد فى رسوخه النفسى على حركة العقل الذكى والقلب المنيب ، ويعتمد ـ فى بقائه الخارجى ـ على عمل اليد الدؤوب ، وكدح الإنسان المجاهد . أجل . . على المرء أن يؤمن بإيقاظ فكره . . فإذا تيقظ واهتدى فعليه أن ينتصب لحماية هذا الإيمان بكل ما لديه من قوى . لا . بل عليه أن يخلط هذا الإيمان بشئون الحياة ليجعل منه قانونا تصلح به الأوضاع ، ومنارا تعرف به الغايات ، وحضارة يصطبغ بها الركب السائر ، وتتوارثها الأجيال اللاحقة عن الأجيال السابقة . وعليه ـ إلى جانب ذلك ـ أن يجالد دونه الخصوم ، وأن يرمق ذهاب جذوره فى الأرض ، واستطالة أغصانه فى الجو ، وهو حارس ناشط ، يُرهب العادين ، ويَصُدّ المجرمين . إن الإسلام الذى قام على كتاب يؤسس الإيمان باستثارة المواهب الإنسانية ، دون جنوح إلى الخوارق المعجزة ، اعتمد فى صيانة الرسالة ، واستدامة نورها ، وكسر خصومها ، على جهود المؤمنين أنفسهم ، ومدى ما يبذلون من تضحيات غالية ، دون انتظار للآيات السماوية التى تقهر الخصوم وتستأصل شأفتهم . ولذلك ترى الإسلام يغالى بكل عمل صالح ، من شأنه أن يمد رواق الإيمان فى الحياة العامة ويُحكم هيمنة الدين على الجماعة . إن مثل هذا العمل العام أرفع عند الله أجرا ، من أى عمل آخر ، لأنه أوسع فى الحياة أثرا . قد تكون الصلاة عبادة جليلة القدر ، لكن العمل الذى يؤديه المؤمن ـ إعلاء لكلمة الله ، وتمكينا لشريعته ـ أعظم . ص _413

مع الله دراسات في الدعوة والدعاة · الصفحة ٣٥١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع الله دراسات في الدعوة والدعاةص ٣٥١