المبلغ وأنت مؤمن بالله ومن أهل بيت نبيه ، ولا تغلبك رأفتك بالمسلمين على شح نفسك !!!. فإن كنت إنما تجمع المال لولدك ، فقد أراك الله عِبَرًا فى الطفل يسقط من بطن أمه ، ص _400
ما له على الأرض ، من مال يعطى ، إلا ودونه يد شحيحة تحويه ، فما يزال الله يلطف بذلك الطفل حتى تعظم رغبة الناس إليه . ولست الذى تعطى ، بل الله يعى من يشاء ما يشاء . فإن قلت : إنما تجمع المال لتشديد السلطان ، فقد أراك الله عبرا فى بنى أمية ما أغنى عنهم ما جمعوا من الذهب ، وما أعدوا من الرجال والسلاح والكراع حين أراد الله بهم ما أراد . وإن قلت : إنما تجمع المال لغاية هى أجسم من الغاية التى أنت فيها ، فوالله ما فوق ما أنت فيه إلا منزلة ما تدرك إلا بخلاف ما أنت عليه … يا أمير المؤمنين هل تعاقب من عصاك بأشد من القتل ؟ فقال المنصور : لا . فقال : فكيف تصنع بالملك الذى خولك ملك الدنيا ، وهو لا يعاقب من عصاه بالقتل ، ولكن بالخلود فى العذاب الأليم ؟ فقد رأى ما عقدت عليه قلبك ، وما عملته جوارحك ، ونظر إليه بصرك ، واجترحت يداك ، ومشت إليه رجلاك ، هل يغنى عنك ما شححت عليه من ملك الدنيا إذا انتزعه من يدك ودعاك إلى الحساب ؟ فبكى المنصور ثم قال : ليتنى لم أخلق !! ويحك كيف أحتال لنفسى ؟ فقال : يا أمير المؤمنين إن للناس أعلاما ؟ يفزعون إليهم فى دينهم ، ويرضون بهم فى دنياهم ، فاجعلهم بطانتك يرشدوك ، وشاورهم فى أمرك يسددوك . قال : قد بعثت إليهم فهربوا منى . قال : خافوك أن تحملهم على طريقتك ، ولكن افتح بابك ، وسهل حجابك ، وانصر المظلوم ، واقمع الظالم ، وخذ الفىء والصدقات على حلِّها ، واقسمها بالحق والعدل على أهلها ، وأنا ضامن عنهم أن يأتوك ويساعدوك على صلاح الأمة . ثم جاء المؤذنون ، فآذنوه بالصلاة فصلَّى ، وعاد إلى مجلسه ، وطُلِبَ الرجل فلم يوجد ! * * * ص _401