تعودت أن أجمع الأخلاق إلى أنواعها ، وأن أضع كل نوع منها تحت عنوانه ، فى الناس أنانية ، فى الناس صغار ، فى الناس سخافة ، فى الناس نقائض وغرائب ، وهكذا ، وهكذا إلى آخر هذه المألوفات التى توارثناها نحن أبناء آدم وحواء ، فليس فيها من جديد . فإذا أصابنى من الناس شيء مكدر ، رجعت به إلى عنوانه ، فوجدته مسجلا هناك ولم يفاجئنى بما لا أنتظر ، فى الناس أنانية ، فى الناس صغار ، نعم . . نعم وماذا فى ذلك ؟ ألم تعلم هذا من قبل ؟ بلى ، علمته مرة بعد مرة ، فما وجه الاستغراب ، ولماذا الألم والشكوى ؟ وراقبتُ نفسى طويلا فوضعتُ نفسى فى القائمة ، وتعودت أن أقول لها كلما أصابها ما يكدرها : " وأنتِ أيضا كذلك " فلا محل للحساب والعقاب . أما خطتى فيما يصيب الناس منى ، فهى أن أسأل نفسى كلما شعرت بسخطهم أو انتقادهم : " هل الأمر يعنينى ؟ " وبعبارة أخرى " هل يضيرنى أن أفقد رضاهم ، وهل يعيبنى أن أفقده ؟ " . فإذا كان فى الأمر ما يضير أو ما يعيب ، فالأمر يعنينى ولابد من معالجته بما أستطيع ، وإلا فلا وجه للتعب والاكتراث ، وعولت دائما على المقياس العملى لأن الجرى وراء النظريات لا ينتهى إلى غاية ، فكنت أضع أمامى على الدوام خمسة أو ستة من الذين أعرفهم ، وأعرف أنهم من أصحاب الحظوة عند الناس ، وأن الناس لا يسخطون عليهم ، ولا ينتقدونهم ، فأتساءل : وهل يسرك أن تكون مثلهم ، وأن تحصل على الرضا كما حصلوا عليه ؟ وكان جواب هذا التساؤل نافعا لى على الدوام ، لأنه يحدد لى العلم اللازم ، أو يعفينى من كل عمل ، ويبين لى فى معظم الأحوال أن ثروة الرضا والثناء عملة زائفة ، أو عملة صحيحة ، على أحسن الوجوه ، ولكن الاستغناء عنها غير عسير . * * * ومن التجارب الكثيرة فى الأشخاص الذين عرفتهم حق المعرفة تبين لى أنهم يحتالون ، ويتعبون عقولهم وضمائرهم فى الاحتيال ، طلبا للشهرة التى لا تهمهم لذاتها ، ولكنها تهمهم لغاية يصلون إليها من
مع الله دراسات في الدعوة والدعاة · الصفحة ٣٤١
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
مع الله دراسات في الدعوة والدعاةص ٣٤١
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي