تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تعودت أن أجمع الأخلاق إلى أنواعها ، وأن أضع كل نوع منها تحت عنوانه ، فى الناس أنانية ، فى الناس صغار ، فى الناس سخافة ، فى الناس نقائض وغرائب ، وهكذا ، وهكذا إلى آخر هذه المألوفات التى توارثناها نحن أبناء آدم وحواء ، فليس فيها من جديد . فإذا أصابنى من الناس شيء مكدر ، رجعت به إلى عنوانه ، فوجدته مسجلا هناك ولم يفاجئنى بما لا أنتظر ، فى الناس أنانية ، فى الناس صغار ، نعم . . نعم وماذا فى ذلك ؟ ألم تعلم هذا من قبل ؟ بلى ، علمته مرة بعد مرة ، فما وجه الاستغراب ، ولماذا الألم والشكوى ؟ وراقبتُ نفسى طويلا فوضعتُ نفسى فى القائمة ، وتعودت أن أقول لها كلما أصابها ما يكدرها : " وأنتِ أيضا كذلك " فلا محل للحساب والعقاب . أما خطتى فيما يصيب الناس منى ، فهى أن أسأل نفسى كلما شعرت بسخطهم أو انتقادهم : " هل الأمر يعنينى ؟ " وبعبارة أخرى " هل يضيرنى أن أفقد رضاهم ، وهل يعيبنى أن أفقده ؟ " . فإذا كان فى الأمر ما يضير أو ما يعيب ، فالأمر يعنينى ولابد من معالجته بما أستطيع ، وإلا فلا وجه للتعب والاكتراث ، وعولت دائما على المقياس العملى لأن الجرى وراء النظريات لا ينتهى إلى غاية ، فكنت أضع أمامى على الدوام خمسة أو ستة من الذين أعرفهم ، وأعرف أنهم من أصحاب الحظوة عند الناس ، وأن الناس لا يسخطون عليهم ، ولا ينتقدونهم ، فأتساءل : وهل يسرك أن تكون مثلهم ، وأن تحصل على الرضا كما حصلوا عليه ؟ وكان جواب هذا التساؤل نافعا لى على الدوام ، لأنه يحدد لى العلم اللازم ، أو يعفينى من كل عمل ، ويبين لى فى معظم الأحوال أن ثروة الرضا والثناء عملة زائفة ، أو عملة صحيحة ، على أحسن الوجوه ، ولكن الاستغناء عنها غير عسير . * * * ومن التجارب الكثيرة فى الأشخاص الذين عرفتهم حق المعرفة تبين لى أنهم يحتالون ، ويتعبون عقولهم وضمائرهم فى الاحتيال ، طلبا للشهرة التى لا تهمهم لذاتها ، ولكنها تهمهم لغاية يصلون إليها من

مع الله دراسات في الدعوة والدعاة · الصفحة ٣٤١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع الله دراسات في الدعوة والدعاةص ٣٤١