وكانت ثقة الناس بى تجعلنى أطمئن إلى نتيجة عملى ، وهذا القدر المتوازن من ثقة الإنسان بنفسه وثقة الناس به ، لا بد منه لنجاحه فى الحياة . ص _380
فإن زادت ثقته فى نفسه على هذا القدر كان ذلك غرورا يضله عن الحقائق ، وإن جاوز اعتماده على ثقة الناس به هذا القدر ، بحيث أصبح لا يصدر إلا عن رأى الناس ولا ينزل إلا عند هواهم ، كان ذلك ضعفا واضطرابا يورثان انقيادا واستسلاما . وتابعت فى نفسى وفيمن حولى هذا التوازن ، فأدركت أنه ضرورى فى كثير من الصفات الأخرى ، هو ضرورى فى الواقعية والخيال ، فإن زادت الواقعية على الحد الواجب ، كان ذلك جمودا وضيقا فى الأفق ، وإن زاد الخيال كان ذلك ميوعة وإغراقا فى البعد عن الحقائق . وضرورى فى المادية والروحية ، فإن زادت المادية كان ذلك بلادة وتنكرا للقيم العليا فى الحياة ، وإن زادت الروحية كان ذلك عجزا عن مواجهة الحياة فى حقائقها المادية . وهو ضرورى فى الاختلاط بالناس ، والانطواء على النفس ، وإلا كان الإمعان فى الاختلاط بالناس إهدارا للشخصية ، وكان الإغراق فى الانطواء على النفس عزلة ضارة . ومع ذلك ، لابد من التسليم بصعوبة أن يجمع الإنسان فى نفسه هذا المزاج الموفق من الاعتدال والتوازن ، والأمر الجوهرى هو أن يعرف كيف يستطيع أن يتخفف من الإفراط فى صفة ، والتفريط فى أخرى . وعلمتنى الحياة أن الغفلة عن المستقبل هى أهم أسباب الراحة . وما تعبت لشيء أكثر من تعبى عندما أفكر فى المستقبل . ولعل الموت هو الحقيقة الأولى التى لا يتطرق إليها الشك ، فهو المستقبل المحتم. ومن نعم الله على الإنسان أن جعله قادرا على التغافل عن هذه الحقيقة ، وإلا ظل قلقا حائرا لا يفكر إلا فى الموت . وعلمتنى الحياة ألا تتسع أطماعى ، فلا أعرف أين أقف ، ثم يتعثر بى الحظ فأرضى بالقليل . وعلمتنى الحياة أننى أتعلم منها كل يوم ، ولن أنقطع عن التعلم حتى تنقضى الحياة ومن يدرى ـ إذا أنا عشت ـ ماذا سأتعلم